علماء اعتبروها عادة اجتماعية وآخرون أجازوا إطلاقها
متابعات
متابعات
 
 

انتقلت «لحية ضباط وزارة الداخلية» من طاولة الجدل السياسي الذي تشهده مصر، إلى أروقة دار الإفتاء، بعدما أثار طلب عدد من ضباط الوزارة بإطلاق لحاهم، استنادا إلى فتوى سابقة لمفتي مصر الأسبق الشيخ جاد الحق علي جاد الحق بأنه «لا يجوز حلق اللحية.. ولا يجوز للقائد أن يأمر المجندين بحلق لحاهم».

ومع بروز اللحية بقوة في البرلمان بعد سيطرة التيارات الإسلامية على معظم مقاعده تحول الأمر إلى جدل واسع بين علماء الدين، فالبعض اعتبر أنه لا يجوز إطلاق اللحية باعتبارها عادة اجتماعية وليست واجبة، مستندين إلى أن «اللحية سنه يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها». فيما أجاز البعض الآخر إطلاق اللحى كونها واجبه شرعا على كل مسلم، مستندين إلى قول رسول الله صلي الله عليه وسلم «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى».

وأصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى بإلزام الضباط الملتحين في وزارة الداخلية بحلق اللحى، لافتة إلى ضرورة التزام المنتسبين للوزارة بقوانين العمل فيها، ومشددة على مراعاة أن تراجع الوزارة تلك القوانين خروجا من الخلاف.

جاءت تلك الفتوى بناء على طلب من وزارة الداخلية لدار الإفتاء تستطلعها حول حكم اللحية.. وكان الضباط قد قالوا في صفحة شخصية دشنوها على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، «نتعرض لظلم بالغ من إجبارنا على حلق اللحية يوميا بصورة مخالفة لتعاليم ديننا ولشرع الله سبحانه وتعالى»، وأكد نقيب الشرطة هاني شكري مؤسس الصفحة: «أطلقت لحيتي اتباعا لهدي الرسول الكريم وأشعر الآن بآدميتي التي كنت أفتقدها بسبب القمع والاستبداد»، قائلا: «إن مطلبنا يتلخص في مبدأ سيادة القانون طبقا للمادة الثانية من الدستور التي تقر بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع»، لافتا إلى أن قانون هيئه الشرطة منبثق من الدستور وأن القواعد المنظمة لواجبات ضابط الشرطة ومحظورات ضابط الشرطة لا تمنع إطلاق اللحى ولا تلزم بحلقها.

وأبدت دار الإفتاء المصرية استياءها الشديد من حالة الجدل السائدة حول حكم إطلاق اللحية لبعض أفراد وزارة الداخلية. وشددت في فتواها على أن إثارة هذا الأمر من الخلافيات، وأنه لا يجوز أن يأخذ حيزا من الجهد المجتمعي في علاجه، مشيرة إلى ضرورة توجيه هذا الجهد إلى قضايا البناء والتنمية.

وفي تأصيلها الشرعي، أشارت الفتوى إلى اختلاف الفقهاء في حكم إطلاق اللحية قديما وحديثا، لافتة إلى أن فريقا قال: «إنها من سنن العادات وليست من الأمور التعبدية، وأن الأمر الوارد فيها ليس للوجوب ولا الاستحباب وإنما للإرشاد، وآخر قال بأنها من سنن الندب، وثالث قال بوجوب إطلاقها وحرمة حلقها أو قصها».

وأكدت الفتوى ضرورة التزام الضباط وأفراد الداخلية بالتعليمات والقواعد المنظمة للعمل، والعرف العام السائد داخل مؤسسات الدولة ما دام لا يتصادم مع ثابت من ثوابت الإسلام المتفق عليها.

وشددت الفتوى على النصح بمراجعة الداخلية للتعليمات والقواعد التي تم التعارف عليها داخل المؤسسة وصولا إلى قواعد مرضية لكل الأطراف، خروجا من هذا الخلاف.

من جانبه، يرى الدكتور محمد رأفت عثمان، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف أن «اللحية عادة اجتماعية وليست واجبة في الإسلام، استنادا إلى رأي شيخ الأزهر الراحل محمود شلتوت الذي أفتى بذلك في كتابه (الفتاوى) وكذلك رأي الإمام الغزالي».

ويوضح عثمان أن «كل مؤسسة لها نظامها الخاص وينبغي على من ينتمي إليها أن يلتزم بها؛ وإلا فالأفضل له أن يتركها، ولا يصح منه أن يفرض وجهة نظره الخاصة على المؤسسة أو المجتمع بحجة التدين».

واتفق مع الرأي السابق الدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، قائلا: إن «الإسلام فيه سعة ويمكن الأخذ برأي الشافعية والقاضي عياض وهو من كبار المحدثين، بأن اللحية سنة والسنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها».

وتابع بيومي: «أما من يذهبون بأنها واجبة، فهم يغفلون مبدأ علة الأحكام في الشريعة الإسلامية، حيث إنه إذا وجدت العلة وجد الحكم وإذا انتفت انتفى الحكم، مؤكدا أنه من غير المعقول أن يترك الرجل عمله أو يقطع رزقه من أجل اللحية، ما دام ارتضى منذ أن كان طالبا في كلية الشرطة أن يحلقها، ويعلم أن هذا هو نظام المؤسسة التي يعمل بها؛ وإلا إذا كان يرى أن اللحية أولى من عمله، فيجب أن يستقيل».

في مقابل فتوى دار الإفتاء المصرية التي يرى كثير من المراقبين أنها جاءت صادمة لفريق واسع من الضباط، خاصة أنه لا يوجد أي قانون يمنع الضباط في المؤسسات العسكرية من إطلاق لحاهم، وهو ما أكد عليه الخبير الأمني اللواء عماد حسين، بقوله: «لا يوجد قانون أو صيغة صريحة تمنع الضابط من أن يطلق لحيته؛ ولكن هناك عرفا متفقا عليه منذ قترة بعيدة».

وتبرز فتوى أخرى صدرت عن شيخ الأزهر الأسبق الشيخ جاد الحق علي جاد الحق عندما كان مفتيا للديار المصرية، فقد سئل عن بيان الرأي حول إطلاق الأفراد المجندين اللحى، فأجاب قائلا: «إن البخاري روى في صحيحة عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خالفوا المشركين.. وفروا اللحى وأحفوا الشوارب)، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى)، وفي صحيح مسلم أيضا عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء).. قال بعض الرواة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.. وقال الإمام النووي في شرحه لحديث (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى)، إنه وردت روايات خمس في ترك اللحية، وكلها على اختلاف في ألفاظها تدل على تركها على حالها، وقد ذهب كثير من العلماء إلى منع الحلق والاستئصال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعفائها من الحلق».

وأوضح الشيخ جاد الحق أنه لا خلاف بين فقهاء المسلمين في أن إطلاق اللحى من سنن الإسلام فيما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق الذي روته عائشة «عشر من الفطرة». وتابع الشيخ جاد الحق: «مما يشير إلى أن ترك اللحية وإطلاقها أمر تقره أحكام الإسلام وسننه، وما أشار إليه فقه الإمام الشافعي من أنه يجوز التعزير بحلق الرأس لا اللحية، وظاهر هذا حرمة حلقها على رأي أكثر المتأخرين»، مضيفا: نقل ابن قدامة الحنبلي في «المغني» أن «الدية تجب في شعر اللحية عند أحمد وأبي حنيفة والثوري»، وقال الشافعي ومالك: «فيه حكومة عدل».

وقال: «هذا يشير أيضا إلى أن الفقهاء قد اعتبروا التعدي بإتلاف شعر اللحية حتى لا ينبت جناية من الجنايات التي تستوجب المساءلة، إما بالدية الكاملة، كما قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والثوري، أو حكومة يقدرها الخبراء والعدول كما قال الإمامان مالك والشافعي، ولا شك أن هذا الاعتبار من هؤلاء الأئمة يؤكد أن اللحى وإطلاقها أمر مرغوب فيه في الإسلام، وأنه من سننه التي ينبغي المحافظة عليها».

وأوضح الشيخ جاد الحق أنه لما كان إطلاق الأفراد المجندين للحى اتباعا لسنة الإسلام، فلا يؤاخذون على ذلك، ولا ينبغي إجبارهم على إزالتها أو عقابهم بسبب إطلاقها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، مضيفا: «هم متبعون لسنة عملية جرى بها الإسلام، ولما كانوا في إطلاقهم اللحى مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجب أن يؤثموا أو يعاقبوا؛ بل إن من الصالح العام ترغيب الأفراد المجندين وغيرهم في الالتزام بأحكام الدين وفرائضه وسننه؛ لما في ذلك من زيادة همتهم، ودفعهم لتحمل المشاق والالتزام عن طيب نفس، حيث يعملون بإيمان وإخلاص».

وقال الشيخ جاد الحق: «تبعا لهذا لا يعتبر امتناع الأفراد الذين أطلقوا اللحى عن إزالتها رافضين عمدا لأوامر عسكرية؛ لأنه باشتراط وجود هذا الأمر فإنها فيما يبدو لا تتصل من قريب أو بعيد بمهمة الأفراد أو تقلل من جهدهم، وإنما قد تكسبهم سمات وخشونة الرجال، وهذا ما تتطلبه المهام المنوطة بهم».

واتفق الدكتور عادل عبد الله بمعهد إعداد الدعاة بوزارة الأوقاف مع ما جاء في رأي الشيخ جاد الحق، بقوله: إن «قواعد المؤسسة الشرطية ينبغي أن تنبثق من معتقد المنتسبين إليها، خصوصا أن أكثرهم مسلمون، ومن حق الضباط أن يربوا اللحى، لأنها واجب شرعي، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدل على أنها واجبة على كل مسلم»، لافتا إلى أن «إعفاء الضباط من حلق اللحية لا يصطدم مع ضوابط المؤسسة الشرطية التي تلتزم بالدستور المصري الذي تنص المادة الثانية منه على أن الإسلام مصدر رئيسي في التشريع».

ويستند عبد الله إلى أن «الدول المجاورة الإسلامية سواء كانت عربية أو غير عربيه يطلق الضباط لحاهم دون نكير من القائمين على الأمر»، ويقول: «إنه إذا كان غير المسلمين في الدول الغربية يؤدون عملهم وفق معتقدهم دون حرج، فمن الغريب ألا نفعل ذلك».

ويضيف عبد الله أن منع اللحى في الشرطة والجيش ليس قانونا ولكنه قرار يمكن تعديله ويجب على المسؤولين أن يقوموا بإلغائه.

واتفق الدكتور إسماعيل تمام أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة مع الرأي السابق، قائلا: إن «طلب إطلاق اللحية مشروع لا يجرمه القانون»، مضيفا: «في نظام الرئيس السابق حسني مبارك كانوا يطلقون على اللحية أنها (غير نظافة)؛ ولكن الفكرة تغيرت الآن وأصبح أصحاب اللحى سلطة (في إشارة لتصدر تيار الإسلام السياسي المشهد في مصر)».

وأوضح تمام أن التدين هو دفع الضباط لتربية اللحية، كاشفا أن 70 في المائة من الضباط المتقاعدين أطلقوا لحيتهم، مؤكدا أن «الضابط الملتحي سيعيد الثقة بين رجال الشرطة والشعب التي فقدت عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) التي أطاحت بنظام مبارك».

الشرق الأوسط


في الأربعاء 29 فبراير-شباط 2012 07:26:29 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=14193