مرضى الغسيل الكلوي..المعاناة مستمرة
محمد العبسي
محمد العبسي

رسالة إلى عمر بن عبد العزيز

130سيارة مرسيدس تُزيِّن موكب رئاسة الجمهورية، فيما عدد أَسرَّة غسيل الكلى في جميع أنحاء الجمهورية اليمنية 110 سريراً فقط!

أمام المريض خياران: البقاءُ في طارود المستشفى أو البكاءُ في طارود المستشفى!

مُخُّ التعاسة أن تغادر منزلك مستوطناً سبعَ بلاطاتٍ من ممرّ عام!

التعاسة ذاتها، أن يبلغك الطبيب بالحُكم التالي: أنت مصابٌ بفشل كلوي. زدْ على ذلك منِّي حُكما أتعس: لست في هولندا، أنت في اليمن!

بلدٌ منكوب وعاثر الحظ. لا شيء يكتب له النجاح وطول العمر في اليمن سوى الفساد فيما مركز السرطان المُمول أصلاً من جيب القطاع الخاص يحبو: ابن سنة أو تزيد! تصوروا أن عمر السرطان (المرض) في اليمن، يضاهي عشرات المرات عمر السرطان (المركز). يحدث هذا : وفي موازاته، يُسجّل العالم، مُمتناً، اكتشاف ميكانيزم السرطان، باسم طبيبٍ يمني هو خليل عبد العزيز العريقي، العامل، من أَمَد، في مستشفى القلب ببرمنجهام.

السرطان مُرعب. الفشل الكلوي رُعبان: رُعب إرهاق المريض وأسرته ، نفسيا وجسدياً، ورعب الفتك، طبعاً، حال مرّ أسبوع زمن ، دون ثلاث جلسات غسيل.

في اليمن، خلافاً لدول العالم، خُفضتْ جلسات الغسيل إلى جلستين، في أحسن الحالات وأوفرها حظاً. أو إلى جلسة واحدة يكون على عاتقها استعادة مريض تعبٍ من موت محقق! ولهذا السبب لا يمارسُ غالبية مرضى الكلى الحد الأدنى من حياتهم.

لا توجد في اليمن مياه نقية للشرب. وتوجد، يا للكارثة، ديناصورات فساد!

51 سريراً فارق كذب في تصريح صالح

مستشفى الثورة الحكومي ، قياساً بالأُخريات، أفضل: كادراً ونظاماً وقدرة استيعابية : أظنه الوحيد الذي لا تُذكّرك صالة طورائه بـ «باصات» الحصبة ، ظهيرة كل يوم !

 في الجهة الغربية منه ، يقطن مركز القلب والكلى: مُتقابلان وجهاً لوجه ، طاروداً لآخر، بؤسُ المرافقين واحد .

 ينمّ كلا المركزين ، شكلاً ومحتوى ، عن لمسة « مودرن » في التخطيط والإدارة على حد سواء، وعن رغبة حقيقية في تقديم خدمة موجبة لمريض سالب : بلا تأمين صحي ، في بلد ، متوسط دخْل الفرد فيه دولار!

 مرضى المشفى ، ككل ، في كفّة. ومرضى المركزين ، في كفة أخرى . إذ يقصدهما المرضى من مختلف «شوالات» الجمهورية ، سيما مركز الكلى الذي يعمل بطاقته القصوى : 24 ساعة في اليوم دون توقف أو فرملة: 20 ساعة فعلياً .

 افتتح المركزين ، طبعاً، رئيس الجمهورية ، صبيحة 27 سبتمبر 2004م ( ذكرى الثورة ) . وقف هنا ، في هذا الممر المكتظ ، يومياً ، بالمرضى والشهقات ، وقال ، وليته ما قال ، بالحرف الواحد : «الإنسان هو الأهم وليس الآلة».

طبعاً، لا حاجة للخوض في مضمون الخبر «النينجا» الذي بثته وكالة سبأ صباح اليوم التالي . هذه نتفة صغيرة من شطحاته : ذكر الخبر أن القدرة الاستيعابية للمركز تبلغ 130 سريراً. فيما القدرة الاستيعابية ، كما سيأتي تفصيلاً، لمركز الكلى والمسالك البولية، مجتمعين، 79 سريراً لا غير! وبالتالي : 130-79 =51 جهازاً/ سريراً «فارق كذب».

 وإذا كانت الدولة تكذب بنسبة تتجاوز 40٪ في مركز للكلى ؛ فبأي نسبة تكذب عندما يتعلق الأمر بحقول النفط أو غيره من الثروات المهدرة ؟!

 إن المغالطة غريزة متجذرة في النظام، والشواهد ، بالجملة والتجزئة :

 1 - نُضوب النفط عام 2010، كحقيقة رسمية، في مقابل دراسة علمية للخبير الدولي اليمني عسكر علي حسين ، يذهب فيها إلى طمأنة اليمنيين، كافة، من غد مجهول، بتوكيد حقيقة غير متداولة. إنكم تجلسون على مليونيْ برميل نفط.

2 - الإحصائية الأخيرة لعدد سكان اليمن، كذلك، كعينة ثانية: يومها خرجت ثلاث صحف رسمية، هي: «الثورة، الجمهورية، الوحدة»، بثلاثة مانشيتات متناطحة، الفارق السكاني بين إحصائية كل صحيفة، على حدة، مليون نسمة.. ببساطة لأنها على صلة بهبات وقروض المانحين.

 3 - مرضى الكلى.

إذ يجمعُ الله بين عُسرين!

كان يجب على «فيكتور هوجو» أن يكون يمنياً. كان يجب، بالتالي، أن يكتب روايته الشهيرة «البؤساء» ، على كرسي ما، هنا، في مستشفى الثورة.

 لا يطاق مركز الكلى!

هناك تتحقق، قبل أوانها، الآية الكريمة: «وترى الناس سكارى وما هم بسكارى»!

 يتحول المرضى، مُجبرين، إلى مشارعين وهتيفة محاكم. فيما يتحول العاملون في القسم، مجبرين ، مرتين ، إلى حُراس للمرمى الحكومي ، تارة . وإلى شِبَاكٍ تتلقى أقذع الشتائم والسبّ.. تارتين!

 في الخارج، يقضي المرافقون أكثر من أربع ساعات ، كمتوسط ، في انتظار ذويهم . بين البرد والقلق ، تكون أعنفها حادية عشرة كل ليلة .

يا لهُ من مشهد :

 نقالات وكراسي . روشتات وأدوية . ويحمل حارس القسم الشاب سلسلة مفاتيح « فالصو» : لا تفتحُ ولا يستفتح بها ! يحمل ، أيضاً ، في جوفه ، كلمةً لعنة ، طعنة ، مستفزة ، مدببة الرأس كهراوة . كلمة تردُّ ، عشرات المرضى.. باليوم.. بالساعة.. بـ«مليان»!

 «مليان» !

 قالها بخجل وخوف . أما الخجل : فمن نفسه ومنا . من أشجار الفيكاس في الخارج . أو من قربة بولٍ مدلاة بين ساقي مريض . وأما الخوف ، فمنْ دعوة مجهولة ، يخشى أن يبعثها مريض ما ، إلى بريده الالكتروني ، على هيئة.. فَيرُس !

 «مليان».." تُفحِّط " في أذنيك كطقم شرطة مُسرع !

 «مليان».. صحفة أسيت على الوجه.

 لا يجمع الله بين عُسرين : المرض و«مليان».

 سرير لكل 13 مريضاً !

أصلُ القصة ، أن أجهزة غسيل الكلى، غير متوفرة لدى مستشفيات القطاع العام ، إلا في اثنين : العسكري والثورة. الأول له ربٌ يحميه وعسكر. أما الثاني ، فيحُجُّ إليه الناس من كل حدب وصوب (أكثر من 14 محافظة موبوءة)

 يبلغ عدد أجهزة الغسيل في «العسكري» 31 سريراً: 13منها في عسكري صنعاء، 10 في عسكري تعز، و8 أسرة في مستشفى باصهيب في عدن!

 لـ«الثورة» وضع آخر: تبلغ عدد الأجهزة ، في سبع محافظات، دون العاصمة ، قرابة 70 سريراً، تتوزع على النحو التالي : إب (10 أسرة). تعز (10) الحديدة (15)، وسيتم توسعة مركز الحديدة إلى 28 سريراً باعتبارها من أكثر المحافظات الموبوءة.

 11 سريراً في جمهورية عدن ، 18 سريراً في المكلا والقطن ، معاً ، بدعم من فاعل خير (بقشان) . إضافة إلى مركز بائس في مستشفى السلام بحجة ، لا يغطي مرضى المحافظة ، لأنه يعمل لساعات بسيطة في اليوم على خلاف المراكز الأخرى.

 إذن، سبعون سريراً، في المحافظات ، زائد عشرين في المركز الأم بالعاصمة ، يساوي 90 سريراً.. (إجمالي عدد أجهزة الغسيل في بلد يبلغ عدد سكانه عشرين مليون نسمة) !

 90 سريراً فقط .

ترى كم عدد المصابين بالفشل الكلوي، تحت الغسيل ؟

 لا توجد ، أما وقد بحثت ، أية دراسة بهذا الصدد : لا من قبل وزارة الصحة ولا المنظمة الصحة العالمية. جمعية الرحمة الخيرية (الله يفتح عليها) قامت بإجراء دراسة لا بأس بها ، معتبرة أن عدد مرضى الفشل الكلوي ، الخاضعين للغسيل ، 1200 مريض فقط . الرقم متواضع للغاية . إلا أنه عند قسمته ، وهو المخفض ، على عدد أجهزة الغسيل الموجودة في مختلف المحافظات ، وهو 90 سريراً، سيبدو رقماً كارثياً ! وهو بالفعل كارثي ؛ لأن 1200/90=13.3أي بمعدل 13 مريضاً وثلث للسرير الواحد .

مشكلة اليمن أنها بلا كليتين

 يستقبل المركز الرئيس ، قسم الغسيل (الاستصفاء) ، المكوّن من عشرين سريراً فقط ، بين 96 إلى 100 مريض يومياً، من أصل 310 مرضى مسجلة أسماؤهم في دفاتر الحجز بالمركز.

 أين يذهب المائتا مريض الباقون ؟

 أين يذهب المرضى الجدد غير المسجلين (لله غيب السموات والأرض)!؟

 أمام المريض ، كما شاهدت ، خياران لا ثالث لهما : البقاء في طارود (أي ممر خارجي) المستشفى . أو البكاء في طارود المستشفى.

 التفكير بذهنية برجوازية غير وارد في هكذا حالات. إذ لو قرر المريض الذهاب إلى مستشفى خاص، مضطراً، فإن جلسة الغسيل الواحدة تكلفه «100 $ : الراتب الحكومي » .

 أي 900 $ في الشهر، في حالة غسلتين أسبوعيا ، 1300 $ ، في حالة ثلاث غسلات كما هو مفترض وملزم طبياً.

 الكلى « فلتر» الجسم. تقوم حبتا الفاصوليا هاتين، بتصفية الدم وتنقيته من مختلف السموم والسوائل الضارة. وبالتالي، يتوجب على فاقد الكليتين، إخضاع دمه إلى غسيل صناعي 3 مرات أسبوعيا ، بمعدل 12 ساعة بالأسبوع ، أربع ساعات بالجلسة. ما لم فان نسبة السموم في الدم ، ترتفع ، بسرعة فادحة ، مؤدية في مجملها إلى مضاعفات ، أريحها الموت!

والموت راحة ،كما يقال ، خاصة في اليمن السعيد !

 مرضى الكلى في البلدان النامية ، يخضعون لثلاث جلسات غسيل في الأسبوع . في اليمن : غسلتين ، بشقِّ الأنفس ، للمحظوظين ، فقط . والصابرين، فيما غالبية المرضى ، أو جزء كبير منهم ، يقنعون بالغسلة اليتيمة.

 لهذا مضاعفات خطرة: غيبوبة تجتاح المريض، اختناق، اصفرار الجلد، انتفاخات مائية في الجسم.. الخ.

 يضطر أطباء مركز الكلى، مشكورين ، في الحالات جد الحرجة ، إلى معالجة إنسانية الدافع ، عزرائيلية الناتج : يقومون باستبدال مريض في منتصف جلسة الغسيل، بآخر في منتصف حلقوم الموت ، معرضين حياته للخطر، وأنفسهم للمساءلة.

 يعرف الأطباء أن كلا المريضين عرضة للموت، ولا يعرفون ماذا بوسعهم غير التعليق بقول أحدهم: «الله يلعن أبوها مهرة»

 تخيلوا أن يفارق احدهم الحياة حينها، وهذا وارد بنسبة 100٪ .  ماذا نسمي ذلك ؟

 استهدافاً للمؤسسة العسكرية؟!

 تآمراً على منجزات الثورة والوحدة الوطنية ؟

 أم انه النظر بنظارة سوداء؟!!

 التآمر الحقيقي أن يكون عدد أسرة الغسيل ، قسم الاستصفاء ، بمستشفى الثورة، 20 سريراً، فيما تُزيّن موكب رئاسة الجمهورية 130 سيارة مرسيدس! دون: الحبَّة، الجيب، اللندكروزر... الخ.

 التآمر الحقيقي أن يُزهق قرض بواقع مليار وثلاثمائة مليون ، بكل هبالة ، لتجديد أسوار مقابر العاصمة صنعاء!! شر البلية ما يفعل هؤلاء!

في أي بلد نعيش؟! أما كان مرضى الكلى أحق بها من خلال توسعة ، وإضافة ، مراكز الغسيل : الميت ، في اليمن ، أبقى من الحي !

هذا قرض ، من عشرات القروض والاختلاسات ( وفارق سعر النفط ) الذي ذكره النائب الإصلاحي (معارض) علي عشال في حديث صحفي صادم!

مشكلة اليمن أنها بلا كليتين: جسم يحبس السموم. فالفاسدون في إقامة جبرية على كراسيهم الدوّارة ، فيما الثروات تُرعَّف على مرأى ومسمع من الجميع !

بابا نويل !

بحثت ، في المركز، عن الدكتور نجيب أبو أصبع رئيس قسم الكلى، فقيل لي إنه يقضي دوامه الصباحي في العيادة الخارجية. هناك، وجدت الرجل محاطاً بالمرضى من كل جانب كما لو كان «بابا نويل» ليلة رأس السنة !

استند على كرسيه قائلاً: «نعمل 24 ساعة في اليوم وهذا مخالف للنظام العالمي». ثم تحدث بمرارة عن الزحام الكابوسي ، عن لحظات «حريق الدم» التي يتعرض لها بشكل يومي، وعن دور الحكومة الايجابي في تطوير المركز، ورفده بأحدث التجهيزات الطبية، وأكثرها تقنية، بما يتناسب مع إمكانات مستشفى الثورة المرجعي.

يتكون مركز الكلى والمسالك البولية من ستة أقسام رئيسة، هي:

 1 - وحدة الاستصفاء الدموي «الغسيل» بقدرة استيعابية 20 جهازاً.

 2 - قسم أمراض الكلى بقدرة استيعابية 29 جهازاً.

 3 - عناية مركزة بقدرة استيعابية 8 أجهزة.

 4 - وحدة الغسيل البريتوني بقدرة استيعابية 8 أجهزة.

 5 - قسم المسالك البولية بقدرة استيعابية 24 جهازاً.

 خلال الأعوام الماضية، سجل مستشفى الثورة، نجاح 21 حالة زراعة كلى، تم زراعتها من قبل كادر طبي يمني مؤهل، غير أن جميعها كانت «تُحضَّر» خارج البلاد: في مركز أمراض كلى المنصورة بجمهورية مصر الشقيقة.

 «بعد افتتاح مركز الكلى تغير الوضع -والحديث للدكتور ابو اصبع- صارت عمليات الزراعة والتحضير يمنية. وقد نجح المركز خلال فترة وجيزة في تسجيل خمس حالات زراعة كلى كان آخرها قبل 3 أشهر».

 ويضيف: «الحالات الخمس الأخيرة حُضِّرت بالكامل داخل أروقة المركز بما في ذلك الأنسجة»، منوها: « هذه عمليات دولية تحتاج إلى تجهيزات طبية عالية وفريق طبي عالي الكفاءة».

 يختلف الفشل الكلوي عن السرطان بعدة أشياء نذكر ثلاثاً: 1 - إنه، أي الفشل، أكثر انتشاراً من اللوكيميا. 2 - الفترة الزمنية بين جرعتين علاجيتين قصيرة جداً. 3 - انه مرض قابل للشفاء بنسبة 100٪ في حال توفرت الإمكانات.

 ولهذا السبب يدعو رئيس قسم الكلى «فاعلي الخير إلى إنشاء مراكز مماثلة» معللاً ذلك بالقول: « لو تسنى لمريض الكلى أن يحظى بثلاث جلسات غسيل في الأسبوع، فإنه سيكون إنساناً طبيعياً منتجاً في حياته وأسرته وعمله».

الحياة تحت رحمة "فلتر" بـ40 $

للإصابة بالفشل الكلوي عشرون سبباً. بيد أن علاجه واحد: الغسيل، دون ملل ، لمدة مفتوحة : سنة ، سنتان ، عشر.. يعتمد ذلك على صبر المريض..وجيبيه!

 تبدأ معاناتهم هكذا: يمد المريض جسده المتعب، على سرير متعب هو الآخر، هنا، مدة أربع ساعات، كل ثلاثة أو أربعة أيام.

 من وريد في اليد أو الرقبة يخرج دم المريض، كله، حتى آخر قطرة، ثم يعود إلى الجسم، بعد تنقيته من السموم والسوائل، عبر شريان يدوي أيضا.

 أثناء ذلك, يمر الدم بمصفاة زجاجية، لا يتجاوز ارتفاعها 15سم، وعرضها5سم تدعى «فلتر» وتبلغ قيمتها، مع مستلزمات أخرى صغيرة، 40$، يرتبط مصير الفرد وأسرته بهذه العلبة!

 «يستخدم الفلتر مرة واحدة لمريض واحد» يقول الدكتور ابو اصبع، أي بمعدل 100 فلتر في اليوم، على اعتبار أن المركز يستقبل هذا الرقم، وهذا يكلف مستشفى الثورة، ممثلاً بالمركز، 4000$ يومياً لا تشمل أجور الأطباء والمهندسين وبقية العاملين ولا يتحمل المواطن منها اي عبء يذكر فـ« الغسيل مجاني، والرقود رمزي جداً».

 في الهند، وبلدان أخرى، يتم استخدام الفلتر أكثر من مرة، بعد تعقيمه طبعاً، غير أن في ذلك مجازفة كبيرة بأرواح الناس.

 قبل سنة ونيف دوّت في عدن فضيحة طبية، تم نقل دم مصاب بفيروس الإيدز إلى مريض سليم، بسبب خطأ ارتكبه مختص التحاليل في مستشفى الجمهورية تقريباً.

 يخشى مرضى الكلى الوقوع في « بلوه » كهذه غير أن الإجراءات الوقائية في المركز باعثة على الاطمئنان. إذ أن فحوصات شاملة تجرى للمريض أولاً. فضلاً عن الأقسام المعزولة مثل وحدة الغسيل البريتو k ي المخصص للمصابين بفيروس الكبد: الفيروس c على حدة . والفيروس B على حدة . وهو الأخطر والأقوى من حيث القدرة على العدوى.

يومياتُ مرضى.. ومرض!

 بمبادرة شخصية من الدكتور احمد العنسي مدير عام مستشفى الثورة تم استئجار مسكنين مجاورين للمستشفى تحت مسمّى «جمعية أصدقاء مرضى الكلى»، خصص الأول للنساء ، والآخر للرجال ويتكون كلاهما من ثلاثة طوابق " شعبي " .

 يؤوي مسكن الرجال 17 مريضاً - النساء كذلك - يتشاطر كل ثلاثة منهم غرفة ، إضافة إلى اثنين ينامان ، كلاً على حدة ، في صالة مظلمة لا يتجاوز عرضها متراً ونصف المتر، في الدورين : الثاني والثالث .

 محمد نجم علي .. من ضحايا حرب الخليج !

 زرتُ سكن الرجال مساء. صعدت درجاً أمعاوياً ، مستعيناً بضوء الهاتف الجوال . هناك كان محمد نجم علي (45سنة) ممدداً على سريره، وإلى جواره ، عربة إعاقة ، سيقول لي لاحقاً أنها تقله إلى المستشفى .

 جميع المرضى هنا يحملون كروتاً ، بموجبها يتم دخولهم المركز مباشرة ، دون حجز أو ما شابه ، وحتى يحصل مريض ما على كرت مشابه فلا بد من وفاة احد هؤلاء . الموت لا الوساطة تمنح الكروت هنا . فيحل محله الأول في الطابور.. إلى الموت !

 أصيب «نجم» بالفشل الكلوي قبل 25 سنة. كان يومها في السعودية، قبل أن تشهر أزمة حرب الخليج الثانية ، كروتها الحمراء في وجوه كثير من المغتربين اليمنيين :

 هذا الرجل من ضحايا صدام حسين!

 يتحسر الرجل على أيام السعودية. كان هناك يحظى بثلاث جلسات غسيل في الأسبوع . عاد إلى «الوطن» فانهدت صحته ، إذ يروي أن النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، كانت جلسات الغسيل اليمنية مرة في الأسبوع ولمدة ساعتين أو أقل وليس أربع! ولهذا السبب يعتقد أن صحته وصلت إلى ما هي عليه .

 الرجل «قانع» !

تهربت من النظر إلى عينيه بجرد محتويات الغرفة: سرير، فراشان ، بوتاجاز، صرصوران ، إضافة إلى قطمه سكر من فاعل خير. تخيلوا من يكون!؟ مؤسسة الصالح (التابعة للرئيس) الاجتماعية الخيرية .

 يا إلهي كم هو صبور: منذ 25 سنة يغسل دمه دون ملل، كل 3 أيام!

 منير القدسي.. تشرّدُ أسرة!

 وجدت ، في الجهة الخلفية لبوابة المركز، الحاج سعيد عبد الله القدسي وأسرته. للرجل قصة مريرة مع المرض !

 أصيب ابنه المعاق حركياً منير (16 سنة) بالفشل قبل تسع سنوات . تغيرت ، مذاك ، حياته وأسرته !

 فالحاج سعيد - ذو الشعر الأبيض - مستقر في قريته «قَدَس» (ساعة ونصف عن مركز المحافظة) . هناك نشأ وكوّن أسرة ، لينتقل بعد ذلك ، وأسرته ، إلى استيطان بلاط ممر في مستشفى الثورة بتعز!

 أربعة أعوام قضاها مع ابنه المحمول على عربة إعاقة ، وأم لا تملك غير الدعاء ، قبل انتقالهم إلى العاصمة صنعاء : من ثورة إلى ثورة ! وهاهم منذ خمسة أعوام يتخذون من ممر في مستشفى " الثورة " بصنعاء سكناً ، ومن بلاطات ، فيه ، فراشاً وسماءً في آن !

 إلى جانب منير، الحاج سعيد أب لثلاث بنات، لا يدرسن ولا يعرفن الحديقة ، إلا أن والدتهن، تظفّر شعورهن بأربال وتدهنها بالزيت، معلقة على حال بناتها «أكّا عشنا»!. لا يوجد للحاج سعيد رقم جوال . سألته من أين يعيش، فأجاب بثقة : «من عند الله» !

ثابت عَطْشَى.. يريد جهاز ألعاب وكلية !

لا يستثنى الأطفال من الإصابة بالفشل. هذا ثابت احمد عطشى (10سنوات) ، أسمر، مدور الوجه، درس حتى الصف الرابع الابتدائي. قبل8 أشهر أبلغت أسرته إن طفلها مصاب بفشل!

 نظرة ثابت حنونة، فيما ابتسامته تؤثث النفس بالراحة. لا يشعرك بأنه مريض : يأتي إلى المستشفى، كل ثلاثة أيام بمفرده: «أركب باص باب اليمن وارجع سعوان بباص»، فيما يقضي نهاراته في الحارة في مراقبة الأولاد .

 يعول، ثابت آخوه علي (17 سنة) ، والذي يعمل «مُبزغ قات» ! وقد قام بطباعة «برشور» عن أخيه لتوزيعه على فاعلي الخير، تاركاً الرقم التالي:(711080372) وهو رقم قريب لهم . سألت ثابت ماذا يريد ، فأجاب، ماهراً إجابته بابتسامه زرقاء:«أتاري.. وكلية».

محمد الفقيه.. من الهند إلى باكستان (توفي)

 في ليلة سيئة للغاية شاهدت محمد الفقيه الشوافي (37سنة) في لحظة كان فيها خارج نطاق التغطية ، إن جاز التعبير: غيبوبة تامة ، قدماه ترتعشان ، فيما انتفخ بطنه هضبة سوائل ! سألتُ مرافقيه عن السبب فكانت الإجابة: «مضت 5 أيام دون خضوعه لجلسة غسيل» .

 اكتشف محمد (أب لنورية ومحمود وحمدي) مرضه قبل سبعة أشهر. لم يستسلم ، واستطاع ، بتعاون أسرته ، وبعد بيعه لسيارته وذهب زوجته ، أن يجمع مبلغ 7000 $. توجه إلى الهند بمعيّة مرافقين كان يأمل أن يكون احدهما متبرعاً.

قبل أشهر عاد إلى أسرته بنصف المبلغ .. وبدون كلية ! إذ أن كلا المتبرعين غير مطابق لكليته , هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أصدرت السلطات الهندية قانوناً يقضي بمنع بيع مواطنيها لكلاهم . وفي حال حدوث ذلك ، فلابد أن يكون المريض قد أقام في الهند سنة كاملة.

هو الآن ( توفي أخيراً) يعتزم السفر إلى باكستان ، حيث تتولى السفارة اليمنية هناك استقبال المريض وحجز المستشفى وإيجاد المتبرع ، خلافاً لنظيرتها في الهند ، غير أن عملية زراعة كلية تكلف أربعة عشر ألف دولار! مبلغ كبير جداً على أي مواطن في هذا البلد !


في الأربعاء 18 سبتمبر-أيلول 2013 05:07:20 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=22094