ما وراء مواعظ الشيخ «أفيخاي»
بقلم/ إحسان الفقيه
نشر منذ: 7 أشهر
الإثنين 03 مايو 2021 12:17 ص
 

فقُلْ لِلشَّامِتينَ بِنا أفيقُوا … سَيَلْقَى الشَّامِتونَ كمَا لَقِينَا

بيتٌ عزاه ابن قتيبة في «عيون الأخبار» إلى الفرزدق الشاعر المعروف، الذي أكاد أجزم أنه عندما جادت قريحته بذلك البيت، لم يكن يدور في مخيلته أنه بعد حوالي 13 قرناً من الزمان، سوف يستشهد به رجل ينوب عن أكبر عدو للأمة.

بهذا البيت صدّر أفيخاي أدرعي الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي تعليقه على شماتة بعض المغردين العرب، في مقتل وإصابة العشرات بحادث تدافع خلال حج يهودي في فلسطين المحتلة، ثم استطرد بعد مزاولة عادته في ارتداء ثوب الواعظ الناقل لنصوص القرآن والسنة وتعاليم الإسلام قائلا: «نكتفي بهذا القول للشامتين بالحادث الأليم الذي ألمَّ بشعبنا في جبل ميرون، ونضيف: لا تُعيّرونا بمصيبة ألمّت بنا، فنحن قوم لا نتمنى الأذى للآخرين، حسبي الله ونعم الوكيل بالساخرين، اتقوا الله على الأقل في رمضان».

ولسنا بحاجة إلى التأكيد على حقيقة ساطعة كالشمس في رابعة النهار، أن من يشمت في ضحايا الحادث، لم تصدر شماتته في اليهود كأصحاب ديانة مغايرة، وإنما صدرت تجاه صهاينة محتلين لجزء غالٍ من جسد هذه الأمة، ولو أن هذه الحادثة وقعت ليهود مسالمين يعيشون في أي بقعة من العالم لن تجد مثل هذه السلوك يصدر إلا عمن شذَّ أفقه.

الشيخ أفيخاي لا يدع مناسبة تخص المسلمين والعرب إلا وأدلى بدلوه فيها، غير عابئ بسيل التعليقات الساخرة التي ترشقه بها الجماهير، بل يستمر في استبسال يحسد عليه في مخاطبة الشباب العربي، بأسلوب عاطفي يزينه بالاستشهاد بآيات القرآن، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وعبارات أهل العلم الثقات، وتراه ممسكا أحياناً بمسبحة في يده، ويقوم بإلقاء تحية الإسلام على المتابعين، كل ذلك تمهيداً لِلَيِّ أعناق النصوص لخدمة مصالحه الصهيونية، وتحسين وجه الاحتلال أمام الأمة العربية الإسلامية.

وقد كتبت سابقاً عن استدلال الرجل بحديث (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة) في التشهير بحركة حماس بأنها حولت يوم الجمعة من جمعة عمل وخير، إلى جمعة شغب وعنف وإرهاب، وذلك في سياق تعليقه على فعاليات إحدى جمعات مسيرة العودة قبل ثلاث سنوات. عندما كان العرب يصفون المتخبط يقولون «يخبط خبط عشواء» والعشواء هي الناقة التي لا تبصر بالليل، تخبط فتصيب هذا وتخطئ هذان كما قال أبو القاسم الزمخشري في «المستقصى في أمثال العرب» فهل يخبط أفيخاي أدرعي خبط عشواء بهذه التصريحات، التي يخرج بها على الجمهور العربي المسلم ليل نهار، مستصحباً سمت الواعظ المتحدث بتعاليم الإسلام؟ والأهم من ذلك، هل هناك خطورة على وعي الجماهير العربية المسلمة، جراء هذا الخطاب الذي يتبناه أفيخاي أدرعي ويستبسل في الاستمرار عليه؟ وهل التعليقات الساخرة على تغريداته وتصريحاته مؤشر يكفي للقول، إن وعي الجماهير في أمان من التأثر بتصريحاته وأفكاره التي يريد بثها خاصة مع انفتاحه الواسع على العرب؟ وهل يصلح أن نتعامل باستهانة مع ما يكتبه ويبثه على مرأى ومسمع الجماهير؟

أقول بكل وضوح وبشكل مباشر، إن أفيخاي أدرعي رأس حربة في مشروع تغيير هُويَّاتي يستهدف أمتنا، خاصة الشباب، والرجل صاحب منهج واضح لا يتحدث بشكل عشوائي، وأبرز ملامح هذا المنهج، العمل على تمييع الفارق بين معاداة الصهيونية ومعادة اليهودية، فهو يحاول إلباس عدائنا للصهيونية – وكيانها المحتل الغاصب لأرضنا، بصرف النظر عن ديانته – ثوب معاداة اليهودية كديانة، أي صورة من صور فزاعة معاداة السامية التي يبتزون بها العالم، وهذا التوجه مع الأسف الشديد تتبناه بعض الأقلام والمنابر الإعلامية التابعة لأنظمة عربية، ترتبط بالكيان الصهيوني بعلاقة تطبيع وتحالف. إن العزف على هذا الوتر الحساس مع الوقت يجد مكانه في عقول الجماهير العربية، التي يغلب عليها روح التسامح مع غير المسلمين، واحترام جميع الشرائع السماوية وتقديسها، حتى تترسخ داخلها في النهاية حتمية ترك العداوة مع الصهاينة المحتلين، ويندمج في حسها مصطلحا الصهيونية واليهودية، من دون تفريق.

ومن ملامح منهج أفيخاي في خطابه للجماهير العربية، إظهار التقديس للدين الإسلامي عن طريق تبني خطاب يرتكز على النصوص القرآنية والنبوية، للتقارب مع المتابعين وصناعة صورة ذهنية لديهم عن كيان الاحتلال، تبرز فيها روح التسامح الديني، يُذكّر إلى حد بعيد برسائل نابليون بونابرت إلى الشعب المصري، إبان الاحتلال الفرنسي لمصر، حيث ارتكز في خطابه على النصوص القرآنية والنبوية والحديث عن الرضا بالقضاء والقدر، للقبول بالاحتلال على أنه تقدير إلهي لا يصح الاعتراض عليه. معظم المتابعين يقابلون هذا التوجه بالاستخفاف، واستبعاد كل الاحتمالات لأن تجد هذه التصريحات صدى في عقول الجماهير، وهذا مسلك غاية في الخطورة، ينم عن عدم وعي بكيفية تغيير اتجاهات الرأي العام والتأثير في الجماهير على المدى البعيد. أفيخاي أدرعي يستخدم أكثر من أسلوب لتغيير اتجاهات التفكير لدى الجماهير العربية، ورسم صورة ذهنية جيدة لديهم عن الكيان الصهيوني، فمن ذلك استخدامه أسلوب التكرار والملاحقة في مخاطبة الجماهير، وهو أسلوب شائع استخدمته بقوة في الدعاية النازية كما قال غوبلز: «إن سر الدعاية الفعالة يكمن لا في إذاعة بيانات تتناول آلاف الأشياء، ولكن في التركيز على بضع حقائق فقط وتوجيه آذان الناس وأبصارهم إليها مراراً وتكراراً» وهذا الأسلوب نفسه استخدمته الدعاية الصهيونية في حرب يونيو/حزيران 67، لترويج مفاهيم وأفكار مهينة عن الشخصية العربية مقارنة بالشخصية الإسرائيلية، لقهر العرب نفسياً، وتثبيت صورة نمطية سيئة ومختلفة عن هؤلاء العرب في أذهاب العالم. فمع الملاحقة والتكرار المستمرين، وتعويلًا على عنصر الزمن، لن تسلم العقول العربية من التأثر بهذا الطرح، ونجد أنفسنا أمام رأي عام يدعو لطي صفحات الماضي مع الكيان الإسرائيلي، والتعايش معه بروح التسامح، وتتقزم القضية الفلسطينية في نفوس الناس، وينتقل التطبيع من الإطار الرسمي الحكومي إلى الإطار الشعبي. إضافة إلى هذا الأسلوب، يستخدم أفيخاي أسلوب الإثارة العاطفية للتشغيب على منطق النظر إلى واقع الاحتلال وجرائمه، وتلك هي وصية هتلر لأعوانه، بأن تتجه الدعاية إلى العواطف، ولو كان هذا الأسلوب يركن إلى الخداع والكذب وتزييف الحقائق والتلبيس على الناس. أفيخاي أدرعي والأجهزة التي تحركه يعولون على عامل الزمن الذي يتغير عبر مساره ما لم يكن يُتوقع تغييره سابقا، حتى يغدو الصديق عدواً مع الوقت، والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب تعززه أقلام ومنابر إعلامية عربية أقل ما يقال فيها أنها خانعة، والأدهى والأمرّ أن يتبناه مشايخ الأنظمة تماهيا مع توجهات السلطة المهرولة تجاه التطبيع.

بناء على ما سبق، ينبغي عدم التهوين من شأن أفيخاي أدرعي ومن يحذو حذوه من شخصيات ومنابر صهيونية، تتحدث إلى العرب، فالاستمرار وعامل الوقت يمثلان خطراً داهما في هذا السياق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.