تونس… «حتى إشعار آخر»
بقلم/ محمد كريشان
نشر منذ: 3 أشهر و 6 أيام
الأربعاء 25 أغسطس-آب 2021 08:34 م
 

ها هو الرئيس التونسي يمدّد، كما كان متوقعا «التدابير الاستثنائية» التي كان اتخذها في 25 يوليو/تموز الماضي وتتمثل في تعليق أعمال وصلاحيات مجلس نواب الشعب ورفع الحصانة البرلمانية عن كل أعضائه، وحل الحكومة وتجميع كل صلاحيات الدولة في يده.

إذن ما كان إجراء مؤقتا لشهر واحد قابلا للتمديد استند فيه الرئيس قيس سعيد إلى قراءته الخاصة للفصل 80 من دستور البلاد لعام 2014 أصبح اليوم تمديدا مفتوحا «إلى غاية إشعار آخر» مع الإعلان عن أن الرئيس «سيتوجه في الأيام القادمة، ببيان إلى الشعب التونسي».

وفي انتظار ما سيتضمنه هذا البيان المرتقب تزداد المخاوف من أن الرجل يسير في نهاية الأمر نحو ترسيخ حكم الفرد الواحد، بلا حسيب ولا رقيب، مستفيدا إلى أقصى حد من «قرف» الناس من سنوات الحكم السابقة، وما اعتراها من لوبيات فساد مختلفة ومواءمات انتهازية ومجلس نواب كاريكاتوري منفّر، وما صاحب كل ذلك من صعوبات معيشية وأزمة صحية بدت السلطات أمامها في حالة من العجز وانعدام المسؤولية.

وإذ يمضي الرئيس قُدما في طريقه الخاص، غير عابئ بأحد، فإنه لا يستفيد فقط من التأييد الشعبي الواسع الذي يتمتع به وإنما أيضا من الحيرة والانتهازية وقلة الحيلة لدى معظم الطبقة السياسية والنخبة بشكل عام. باستثناء أصوات قليلة رفعت صوتها لتقول إن ما تم هو انقلاب على الدستور، بغض النظر عن وجاهة الانتقادات القوية والمشروعة ضد منظومة الحكم الذي كانت حركة «النهضة» ركيزته الأولى، اتسمت معظم المواقف إما بالحرص على مسايرة المزاج الشعبي الأغلبي المؤيد بقوة لسعيّد، أو السعي المتزلف لموقع ما في منظومة الحكم الجديدة التي يريدها الرئيس، أو كليهما.

امتلأت الساحة بمواقف التأييد لسعيّد انتقاما من وضع لم يعد يطاق وتوسما للخير في الرجل مقابل تراجع التحفظات التي بدت في الأيام الأولى.. فها هو اتحاد الشغل ينتقل تدريجيا من الحذر والتحفظ على خطوة سعيّد إلى التفهم وصولا إلى نوع من التأييد الضمني بشكل أو بآخر، وها هي حركة «النهضة» نفسها، التي استقطبت غضب الناس جميعا، تتدرج من اعتبار ما جرى انقلابا إلى تهدئة اللهجة لاحقا في انحناءة للعاصفة وصولا إلى بيانات بدا فيها التودّد إلى رئيس الدولة مبالغا فيه ومفتعلا.

أما النخبة فقد بدت في مجموعها إما صامتة أو حذرة لتجنب الاصطدام بفورة الناس المؤيدة لسعيّد لكن خيبة الأمل الكبرى تمثلت في انخراط أسماء وشخصيات لامعة فيها فأبانت بذلك على ثقافتها الديمقراطية الرثة، ومن بينها كتاب ومفكرون وصحافيون وكذلك قانونيون يحرّفون القانون عن مواضعه خدمة لأهداف سياسية باذلين كل التحذلق لتزيين ما قام به سعيّد. من حق هؤلاء إظهار التأييد لمن يريدون لكن ليس من حقهم أبدا التعسف على القانون لتطويعه بلوي فاحش ومفضوح، مسايرين الرئيس في ما ارتآه ضمن قراءته الخاصة التي يريد تقديمها على أنها هي الصحيحة وما عداها جهل مطبق يستدعي عودة من يرى ذلك إلى المدارس كما تحدث عنهم الرئيس ساخرا.

لا أحد يدري بالضبط ما الذي سيقدمه سعيّد في خطابه المنتظر فقد سخر ممن طالبوه بخريطة طريق للمرحلة المقبلة وتعيين رئيس وزراء، كما لا أحد يدري ما إذا كان سيُقدم، كما يروج البعض، على تعليق العمل بالدستور وتكوين فريق ينكب على تعديله ثم عرضه على الاستفتاء دون أي حوار وطني واسع. هذا الحوار الذي يرفضه سعيّد مع الفاسدين، كما قال، لكنه في المقابل لا يتحاور مع أحد، بمن في ذلك تلك الأحزاب التي تهتف له بحماسة. الرئيس ترشح وفق دستور محدد أقسم اليمين على احترامه لكنه شرع منفردا في التجرؤ عليه لإلغائه أو تعديله على مزاجه دون أي تشاور، حقيقي أو شكلي، مع مكونات المجتمع وقواه الحية، وهذه سابقة خطيرة للغاية حتى وإن جارته فيها المؤسستان العسكرية والأمنية.

من الصعب إعادة صياغة المشهد السياسي لأي بلد في أجواء من احتكار السلطة وادعاء احتكار الصواب بهذا الشكل، مع الاكتفاء بالشعارات والقرارات والتعيينات المرتجلة المتناثرة هنا وهناك. ويزداد القلق أكثر عندما يقترن كل ذلك بحالات تعسف تمثلت في منع وسائل إعلام من العمل واعتقال البعض أو سجنهم أو وضعهم رهن الإقامة الجبرية أو منعهم من السفر في تحد للأصول القانونية المعروفة بتعلة الوضع الاستثنائي.

في أجواء كهذه، من الصعب سماع أصوات العقل والحكمة لكن عندما تهدأ النفوس سيتضح أن البلد في غالبيته وبمعظم طبقته السياسية إنما انجرف باستسهال عجيب في عملية إعادة انتاج حكم الفرد المطلق والزعيم «المنقذ» و»الملهم» الذي يتمدد أكثر كلّما وجد من يعبّدون له الطريق، رغم مرارات التجارب السابقة. كل ذلك إذا ما استمر وترسّخ فهو كفيل حتما بوضع حد درامي لما عرف بـ «الاستثناء التونسي» لتعود البلاد إلى «بيت الطاعة» الذي نعرف جيدا رعاتَه الحقيقيين من عرب وأجانب. فهل ما زالت هناك من فرصة للتدارك؟ أتمنى ذلك من كل قلبي.