نَفِير صنعاء.. بين صَرخة الدِّيلمي ورفض المُحَطْوَري.
بقلم/ عبدالفتاح الحكيمي
نشر منذ: شهرين و 8 أيام
الخميس 30 سبتمبر-أيلول 2021 06:39 م
 

خطبة الجمعة التي ألقاها مؤخراً العلامة الجليل يحي حسين الديلمي في جامع الفليحي بصنعاء هي براءة معلنة من أهل المذهب الزيدي كلهم من جرائم عبدالملك الحوثي ومزاعم انتمائه إلى آل البيت والزيدية التي تناقضها أفعاله المخجلة.. وهي استنكار بصوت عالي أن تكون موبقات هذا الشخص من سلوكيات البشر الأسوياء, بقدر سعيه منذ اليوم الأول إلى خزن الأموال وتقتيل الشباب والرجال في سبيل شهوة وهوى الحكم والتسلط وليس بمزاعم الجهاد في سبيل الله, لأن الجهاد المقصود في القرآن الكريم بحسب الزيدية وغيرهم لا يكون في قتال مسلم لأخيه والتعدي على حرماته وسكنه وماله وأمنه ومعيشته .. فهذا كله بغي بغير الحق وعدوان داخلي بشعارات كاذبة, مخالف للقرآن الذي تتذرع به المسيرة الشيطانية( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).

وتدين على ذلك خطبة العلامة يحي الديلمي التي انتشرت بين أوساط الناس كالنار في الهشيم جهل الناس وتصديق خطابات عبدالملك الحوثي الحوثي وإعلامه التضليلي باعتبار ما جرى عدواناً من الخارج فيما أصل العدوان بدأ من الداخل بتأثير شهوة التسلط واكتناز الثروة والأموال, ومن أين كل هذا الثراء الفاحش المفاجئ والشركات التجارية والعمارات والقصور وأرصدة البنوك والمزارع والأراضي في زمن قياسي.. وقد ملك كل وسائل الإعلام والجيش والمليشيات بغير حق أو مشروعية.

وباعتبار عبدالملك الحوثي مغتصباً للسلطة بقوة السلاح والقهر والأستعانة بإيران وحزب الله والحشد الشعبي العراقي فهو بالمقابل بلا أي شرعية دينية أو غطاء أخلاقي سياسي وقانوني .. لكل ذلك وضع العلامة يحي الديلمي النقاط على الحروف في تشخيصه لواقعة استيلاء عائلة بدر الدين الحوثي على السلطة واغتصاب المال العام ومقدرات الدولة ودعمَمَة ذلك بالخرافات ومزاعم الاصطفاء الإلهي, وأن عبدالملك الحوثي اختاره الله لقيادة الأمة بدون رضاها واختيارها له, ليصل الشيخ إلى قناعة ويقين إن انتزاع واقتلاع أمثال هؤلاء الأدعياء الجهلة من موقع الحكم والتسلط سيكون أيضاً قدراً مكتوباً وفرض عين على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر ويقيم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم, وتأطيره إلى الحق أطراً, التي تعتبر أبرز ما يميز منهج المذهب الزيدي عن مذاهب بعض أهل السنة المداهنين للحاكم ومظالمه.

* ألجهاد الحقيقي *

ويندرج ما يقوم به العلامة يحي بن حسين الديلمي حفظه الله من واجب قول الحق والصدع به في وجه متسلط جائر في باب الجهاد في سبيل الله لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :( خير الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر/عند سلطان جائر).

أما الجهاد في سبيل الله كما في القرآن الكريم فهو الدفاع عن الدعوة إلى الله وبذل الروح والنفس لمقاتلة من يحاربونها بالسيف وليس الدفاع عن حق شخص أو عائلة وعصابة مسلحة في أن تتسلط وتتجبر في الأرض على العباد والبلاد بالسيف والاستقواء بسؤ التربية والطباع.

يتميز المذهب الزيدي في ثوريته وحركيته كجماع حتمي بين النصوص الدينية والممارسة ومطابقتها, فالدين ليس مجرد شعائر تعبدية فروضاً ونوافل صلوات وزكوات وصيام, إذ يقرن القول بالعمل أو النظرية بالتطبيق كما يقال.. فكانت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند مذهب الزيدية دائما لا ترتبط فقط بالنصح في مسائل الحياة الأخلاقية العامة والصغيرة بل وتمتد إلى قمة وهرم الحكم والرئاسة والسلطة لتصحيح وإصلاح اعوجاجها إلى أقصى مدى في ثورة التغيير للزيدية على مر العصور ومنها مبدأ(الخروج على الحاكم الظالم) بكل مظاهر المقاومة والرفض والأدوات والأساليب الممكنة ليستقيم للزيدية موافقة المعتقد للعمل(كبر مقتاً عند الله أن تقولون ما لا تفعلون) ولا أن يكون الزيدي الصالح كأصحاب المذاهب الداجنة: إذا سرق الشريف تركوه, وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد).

* ما قبل الانفجار*

أِصْطِبار أهل الزيدية وغيرهم في صنعاء ومناطق الشمال فاق حدود الأحتمال .. وقبلها في معقل الحوثيين بصعدة وعمران وذمار وحجة وغيرها قوبلت بعض الجماعات المناهضة للحوثيين منذ ثلاث سنوات بالتنكيل و الأطقم المسلحة والمدرعات كما حصل في واقعة آل عوض بصعدة الذين رفض علماؤها وخطباؤها رفضوا التحشيد لجبهات الموت لتثبيت عرش الطغيان على الدماء والاشلاء وطالبوا بوقف حرب الباطل العائلية وحماية النفوس والمقدرات.. وطورد الرافضون ومنعوا من إقامة الصلوات والمحاضرات والدعوة إلى الله.

والنتيجة إن الحوثيين فضلوا خيار المواجهة القمعية مع أصوات علماء الزيدية المتعقلة الناصحة رغم ما بذله هؤلاء معهم بسخاء منذ البداية معتقدين بسلامة وحسن نية توجهات حركة الحوثيين.. وفي مقدمتهم العلامة الجليل يحي الديلمي الذي صدر ضده حكم إعدام باطل بسبب دعوته إلى وقف حرب سلطة الرئيس السابق علي عبدالله صالح ضد الحوثيين!!.

واليوم يقمع الحَوَثة منابر ومساجد الزيدية وتترقب عيون الجواسيس وآذانهم كل مُجاهِر بالانتقاد والنصيحة, فمنعوا مئات الخطباء والدعاة من المحاضرات والدعوة إلى الله وارتياد المساجد, ومن لا يحشد للجبهات ولا يُزَيِّن عدوان ومنكرات عبدالملك الحربية ومساوئها ويعتبرها إنجازات ربانية وتأييدات إلهية فهو عدو لله بالضرورة يرفض قضاء الله وقدره في ولاية السيد عبدالملك الحوثي وعائلته وأقاربه الطاهرين المحجلين بحسب فتوى صهيره شمس الدين شرف الدين الذي نصبه مفتياً لما أسماه(الديار اليمنية) وهو صاحب فتوى (زنا نكاح الجهاد) الشهيرة المخزية.

أما خطبة الديلمي فيرى إلغاء عبدالملك الحوثي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الربانية ومنع الدعوة إلى الله وتخريب بيوت الله هو الذي يستوجب على المؤمنين الجهاد في سبيل الله ضد أصحابه لإعلاء كلمة الله ودفع صولة ودولة الظلم والباطل: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) وليس الوقوف مع الظالم وحماية سلطانه المغتصب.

وإذا لم ينفذ السلطان شرع الله في العدل بين الناس وحماية نفوسهم من الهلكة كذلك( وجب على الأمة أن تخرج عليه, وتقضي عليه, وتمنعه من ظلمه وفساده وبغيه واستعلائه وليس (اغتصابه) للسلطة وأفساده قضاء وقدراً).ا.ه

* مؤامرة على المذهب *

وكان تهديم جامع النهرين رمز الزيدية الديني الشهير في صنعاء ومساواته بالأرض قبل عام كما يبدو أبلغ رسالة مختصرة لكل من يرفع رأسه أو يصدع لسانه وصوته بكلمة حق عند سلطان جائر.

حتى قال الزيدية قبل فترة في بيان شهير لهم : أننا نطالب عبدالملك الحوثي اليوم فقط بما كان يطالب هو وإخوته به أيام حكم العهد السابق) ويقصدون بذلك حرية التعبير عن المعتقدات وإقامة المحاضرات والدروس الدعوية لطلبة العلم والاحتفال بالمناسبات الدينية أيام حكم صالح, لكنهم نسوا أيضاً إن عبدالملك الحوثي اتخذ مطالبه تلك ذريعة خادعة فقط للأستيلاء على السلطة بقوة السلاح والقهر والبغي وتجهيز العصابات في الخفاء.. وعندما اكتشف الشهيد الدكتور المرتضى بن زيد المحطوري أبرز الداعمين المتعاطفين مع الحوثيين في حروب صعدة الأولى والثانية خطورة مشروع حكمهم العائلي على اليمن الإنسان والأرض, أعلن قبيل وفاته بملئ الفم في إحدى الندوات السياسية الفكرية رفضه القاطع لعودة الحكم العائلي العنصري والتسلط الأستبدادي بقوله : أنا أرفض اليوم بقوة أن يحكمني شخص باسم آل البيت والحق الإلهي, هذه خرافة وخزعبلات, نحن في القرن الواحد والعشرين أحكمني بالعلم بالأقتصاد بالتطور, مش نرجع نحب على الركب والأرجل سيدي ومولاي.. لن يحكمونا أصحاب الدبابات والمدافع أو غيرهم).   

 

* أخطر التوجهات *

وتكشف خطبة العلامة يحي الديلمي عن أخطر توجهات جماعة الحوثي في تغييب وعي وعقول أطفال وشباب اليمن وتغيير قناعاتهم وفطرتهم السليمة عبر اختطافهم بالترهيب والترغيب ضمن فعاليات سرية مشبوهة أكان لجهة عسكرتهم وحرف تربية آبائهم العقيدية والأخلاقية لهم بأخرى عدائية للمجتمع والدين وموالية لمشروع إيران وأدواتها فقط, أو لجهة الأرتياب الأخلاقي بطريقة إخفاء فحوى النشاطات داخل أنفاق وبدرومات ومناطق نائية بتكتم لا يعرف الأهل ما الذي يُفعَل بأبنائهم بالضبط!! وماذا يتلقون ويدرسون بعد تركهم للجماعات المتطرفة المستعلية في شوارع صنعاء وغيرها بالبنادق, لنكتشف بذلك الإجابة على ظاهرة جرائم قتل الأبناء لآبائهم وأمهاتهم وأخوتهم المتفشية في مناطق سيطرة الحوثي بصورة لافتة خصوصاً من قبل أولئك العائدين من الجبهات, تربية شيطانية على الولاء والخضوع لزعيم الجماعة وخرافاته الدينية, حتى يصبح عبدالملك أحبَّ عند الطفل والمراهق من ألله ورسوله ومن أبيه وأمه وأخوته.. أقرب إلى غرس الشرك والأنحرافات الأخلاقية.

أتذكر عام ٢٠٠٥م بعد حرب صعدة الأولى كيف أن مجموعة من المراهقين المغرر بهم مع الحوثيين رفضوا الخروج من السجن بعرض مباشر من الرئيس صالح شخصياً, فبُهِت الرجل عندما قالوا له : لن نخرج إلا إذا طلب من سيدنا حسين بدر الدين فقط), أما الولاء لعبدالملك الحوثي فقد بلغ مرحلة قتل الولد لأبيه وأمه واخوته بعد تدخل خبراء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني في الإشراف على عملية غسيل أدمغة أطفال اليمن وغرس الجريمة والأنحرافات السلوكية الشاذة!!.

* علاقة الديلمي بالحوثي *

يحي الديلمي أحد أبرز علماء الزيدية العاملين بعلمهم, تجاوز عمره السبعين عاماً, يتميز بالتواضع الشديد كما يصفه من عرفه عن قرب, مناهض للتمييز المذهبي والسلالي والإجتماعي, تتلمذ على يد أكبر علماء الزيدية في صنعاء وصعدة وذمار, وحاصل على شهادة ليسانس علوم شريعة, وقد انشغل بالعمل الدعوي أكثر من نصف قرن وأسس في صنعاء مع آخرين جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد الرئيس علي عبدالله صالح.

ومن المفارقات أنه صدر ضده عام ٢٠٠٥ م حكم جائر بالإعدام بسبب دفاعه عن جماعة حسين بدر الدين الحوثي وحقها في حرية التعبير الذي تحول إلى ما نحن عليه اليوم(حرية والأفساد والتدمير), وقضى في سجن الأمن السياسي قرابة عامين بعد حرب صعدة الأولى مع زميله الشيخ محمد مفتاح في نفس القضية, والقاضي محمد لقمان وأفرج عنهم لاحقاً بتدخلات.. كما أوقف الرئيس صالح سير إجراءات التقاضي ضد مجموعة صحافيين في قضية مشابهة باسم إسقاط الدعاوى, إحداها كانت ضد كاتب هذه السطور بذريعة اقتباس علي السيستاني في العراق فقرات من إحدى مقالاتي كخلفية لبيان أصدره لإدانة نظام علي عبدالله صالح.

ومن المفارقات المخجلة إن عبدالملك الحوثي قبل فترة طالب بتنفيذ حكم الإعدام السابق ضد العلامة يحي الديلمي فيما لاحقت أجهزة الجماعة السرية أبناء وأخوة واقارب الديلمي لاختطافهم بدلًا عنه بعد نجاح المصلين في منعها من الوصول إليه.

ولعل الأهمية الأستثنائية لخطبة الديلمي التشخيصية العميقة لمخرجات مؤامرة ٢١ سبتمبر الأنقلابية ليس في عنصر لغة المواجهة القوية لمشروع الأستبداد السلالي العنصري فقط بل وفي قدرتها على توحيد مشاعر اليمنيين وقضيتهم في هذه اللحظة الفاصلة على اختلاف مذاهبهم الدينية وتوجهاتهم السياسية إزاء خطر مشترك يهدد المصير والهوية الإسلامية الموحدة لأبناء البلاد, بصرف النظر عن بعض خطابات الغوغاء النشاز والمُشوَّهين التي تتنكر لواحدية المصير والعيش الأخوي المشترك لكافة أطياف مكونات المجتمع زيدية وشافعية وغيرها.. فمن به غشاوة أو يتعامى عن الحقائق ليدرك أن خطبة العلامة يحي الديلمي حفظه الله هي موقف السواد الأعظم من الزيدية والهاشمية الوطنية التي تصدرت من داخل نظام حكم الأستبداد السلالي العنصري مع غيرها من الشرفاء والأحرار عبئ الثورات على الظلم والطغاة والأستبداد ١٩٤٨- ١٩٦٢ م.. وليقف المشككون بمبدأية الآخرين دون وعي أو مناطقية رخيصة, أو بسؤ الظن بالآخر الإنساني في صف الطغاة, وهو الأرجح.

* بيان للأحرار *

وتعبر خطبتي الجمعة لفضيلة العلامة يحي بن حسين الديلمي التي صدرت مطلع الأسبوع في تسجيل صوتي لمدة ٣٤ دقيقة عن فداحة العبودية والأستبداد والظلم والطغيان الذي بلغه اليمنيون في كل مكان وليس الزيود وحدهم من هيمنة وتسلط حكم المليشيات السلالية العائلية العنصرية الحوثية.. وبما يقتضي من وعي وطني وديني وسياسي جديد وتلاحم واصطفاف بمستوى الخطر الدهم لمقارعة ومقاومة التمدد الإيراني والشيطاني الخبيث ألذي يسلب منا جميعاً كرامتنا وأخلاقنا ويسعى إلى اجتثاث هويتنا الوطنية وتفكيك كيان الأسرة الواحدة والوطن الواحد واستعداء الكل ضد الجميع.