أبجديات في فلسفة الثورة مفهوم الثورة
بقلم/ د: عبدالرحمن أحمد المختار
نشر منذ: 9 سنوات و 10 أشهر و 29 يوماً
الأربعاء 30 مارس - آذار 2011 11:43 م

يمكن تعريف الثورة بأنها فعل شعبي عفوي تلقائي غير منظم يهدف إلى إحداث تغيير جذري شامل في بنية النظام السائد في المجتمع، وتختلف الثورة عن الانقلاب الذي يمكن تعريفه بأنه فعل منظم تنفذه مجموعة منظمة هدفه السيطرة على السلطة من خلال إزاحة الممسكين بها عنها والحلول محلهم في الإمساك بزمامها.

ووفقا لهذا المفهوم الأصل ألا يكون للثورة قيادة معينة ترسم وتخطط وتوزع الأدوار وتحدد الهدف بل إن هدف الثورة يتحدد بشكل تلقائي وهو يؤكد نضج الشعب الثائر في تحديد هذا الهدف والعمل على تحقيقه، وهنا قد تتولى فئات من الشعب زمام المبادرة لا لتقود الثورة ولكن لتكون في مقدمة صفوفها سعيا مع غيرها لتحقيق غاية الثورة فتبرز هذه الفئة بحكم جرأتها وإقدامها في حال نجاح الثورة لقيادة مرحلة الانتقال التالية لها ، وقد تواجه هذه الفئة عنف السلطة الذي قد يصل إلى حد الفتك بها ، ومن ثم تصبح هذه الفئة قيادة مثالية للثورة يترتب على تضحياتها التعجيل بوصول الثورة إلى تحقيق هدفها المنشود ، وتكون هذه القيادة بتضحياتها قد رسمت الخطوط العريضة للثورة ، ولا يتطلب الأمر من الآخرين سوى السير على هداها ، واستكمال ما يتعلق بها من تفاصيل .

وهو ما يعني أن أصحاب المبادرة بالفعل الايجابي هم حصرا وقصرا قادة الثورة ، وإن قضوا نحبهم وانصرفوا إلى بارئهم بمعنى أن قادة الثورة هم أصحاب الفعل الايجابي في ساحاتها ، ويوصف غيرهم ممن يتواجدون في الساحات بأنهم ثوارا ، ولا ينطبق هذا الوصف على غيرهم ممن يتواجدون خارج هذه الساحات وإن تعاطفوا معها.

ويختلف الانقلاب عن الثورة في أن له قيادة تخطط وترتب وتوزع الأدوار بين المجموعة الانقلابية المنظمة، وقد تحدد مسبقا منصب القيادة الأعلى لما بعد نجاح الانقلاب ، بعكس الثورة الشعبية التي لا تتحدد في ظلها لا حالا ولا مآلا قيادات بعينها ، بل إن الأفعال المبادرة لصناع الثورة هي التي يمكن أن تسبغ عليهم الألقاب دونما تقيد بمكانة أو وجاهة أو ثروة.

تنوع الآراء والاتجاهات وأثرها على الثورة

الأصل أن الثورة كما ذكرنا أنفا فعل شعبي عفوي غير منظم ، ويترتب على هذا الوصف أن فئات الثورة لا تتفق أرائها وتوجهاتها تفصيلا لكن يوحدها هدف عام تتفق جميع هذه الفئات على ضرورته تحقيقه لمصلحة المجموع ، وكثيرا ما يطرح بعض شباب الثورة في ساحات التغيير وميادين الحرية تساؤلات حائرة منها ما يبحث عن قيادة للثورة تعمل على توجيهها وتنسيق جهودها ، وفي الجانب الأخر هناك تساؤلات ساخرة تطرحها على الدوام رجالات السلطة تهدف إلى إحداث الفرقة بين فئات وائتلافات الثورة لتشتيتها وإضعافها وإثارة أوجه التعارض والتناقض والاختلاف بين برامجها ورؤاها وتوجهاتها فيطرح مثلا ما الذي جمع الاخواني الإصلاحي الراديكالي مع الاشتراكي الماركسي التقدمي وما الذي جمع القومي ألبعثي والناصري مع الأمامي الرجعي ؟ وكذلك الحال بالنسبة لبقية الفئات تجار عمال أكاديميين قضاة .

والحقيقة الجوهرية التي لا يدركها البعض وخصوصا الشباب ، ويدركها البعض الأخر جلية ساطعة سطوع الشمس في وضح النهار لكنه يحاول إثارة هالة من الغبار لحجبها عن الأنظار ، هذه الحقيقة هي أن جوهر الثورة هو ذلك الاختلاف في التفاصيل وهو ذلك التصارع السلمي للأفكار المجتمعة في الميادين والساحات وهو ذلك الاحترام المتبادل بين الفئات على اختلافها لخصوصيات بعضها وهو ذلك الاتفاق على تجاوز الخصوصيات في المرحلة الراهنة الاتفاق على تحقيق الهدف العام المتمثل في رحيل النظام .

حماية الثورة

الأصل أن وسائل حماية الثورة ذاتية تتمثل في نضج ووعي شبابها وإيمانهم بنبل أهدافها وغاياتها التي يرخص في سبيل تحقيقها كل غال ونفيس باعتبار أن الثورة ما انطلقت إلا لتحمي قيمة أو قيما سامية تعرضت للانتهاك والانتقاص ، وتوفير هذه الحماية ليس لجيل الثورة فقط بل للأجيال القادمة إذا فالثورة إنما انطلقت لتحمي لا لتُحمى بغض النظر عن الثمن الذي تدفعه الثورة سدادا لفاتورة أهدافها وغاياتها النبيلة.

لكن إذا كان ذلك ما يتعلق بالحماية الذاتية أو الداخلية للثورة فماذا عن الحماية الخارجية لها ؟ وما أثار هذه الحماية على الثورة ومسارها؟

لقد برز في مراحل الثورة الشعبية اليمنية السلمية ثلاثة عوامل عسكرية وقبلية وسياسية تتفق جميعها ظاهرا في تبني الثورة وحمايتها والدفاع عنها ، وأن كانت هذه العوامل تختلف من حيث طبيعتها وأهميتها ، ويتمثل الأول في إعلان قسم مهم في المؤسسة العسكرية تأييده للثورة الشبابية الشعبية السلمية والتزامه الدفاع عنها في مواجهة قوات السلطة وبلاطجتها وهذا العامل متميز تماما عن الثورة الشبابية الشعبية السلمية وغير مندمج فيها، وهنا وفيما يتعلق بهذا العامل تطرح عدد من التساؤلات الملحة حول نطاق الحماية التي يقدمها هذا العامل للثورة الشبابية الشعبية السلمية ؟ وما إذا كانت هذه الحماية مشروطة ببقاء شباب الثورة في النطاق المكاني لساحات الاعتصام دونما تمدد خارجها ؟

ليس واضحا بالطبع نطاق الحماية التي يقدمها هذا العامل وشروطها ، فإذا ما افترضنا أن نطاق الحماية لا يحده مكان كان هذا الأمر ايجابيا من ناحية وسلبيا من ناحية أخرى فإذا ما تمددت الحماية بالتوازي مع تمدد واتساع ساحات وميادين الاعتصام إلى أن تتهاوى وتسقط أركان النظام دونما احتكاك عنيف بين أدوات هذا العامل وأدوات بقايا سلطة النظام تحقق وفقا لذلك الجانب الايجابي لهذه الحماية ، ويتحقق الجانب السلبي لهذه الحماية من وجهين الأول: إذا ما كان سقف هذه الحماية يقتصر فقط على حدود النطاق المكاني لساحات وميادين الاعتصام فتصبح الثورة وفقا لهذا الوجه محاصرة تحت مبرر الحماية فتُحجم وتتضاءل وتتلاشى. والوجه الثاني للجانب السلبي للحماية يتمثل في الالتزام بالحماية في كل الأحوال والظروف مع حصول اشتباك مسلح غير محدود بين أدوات سلطة النظام وأدوات الحماية التي يملكها العامل العسكري وهو ما سيعني انحراف الثورة عن شعار سلميتها وشعبيتها وانزلاقها إلى العنف وينحصر من ثم الصراع المسلح بين فريقين بيد كل منهما أدواته مع إمكانية انخراط شباب الثورة السلمية أو بعضهم على الأقل في هذا الصراع وهو ما سعني وأد الثورة السلمية التي ستخلو ساحاتها وميادينها حتما من وجود غير طرفي الصراع المسلح فيها ، وتحقق هذا الوجه يعد مصادرة للثورة ، وتصبح النتيجة التي تحسم الصراع لصالح أحد طرفيه هي المعول عليها في ترتيب ما بعده وليس ما كان مطروحا في ظل الثورة السلمية في ميادينها وساحاتها.

وعن الحماية التي يقدمها العامل الثاني ( المؤسسة القبلية ) التي تعد بطبيعة الحال منقسمة كما هو حال العامل العسكري فهذا العامل له أيضا أثران أحدهما إيجابي والأخر سلبي أما الأول: فيتمثل في دعم ومساندة القبيلة لشباب الثورة باعتبار أن هؤلاء الشباب من حيث الأصل ينتمون إلى القبيلة ومن ثم فإن تواجدها إلى جانبهم سيشد من عضد ثورتهم شريطة أن تعلن القبيلة تخليها عن موروثها السلبي عن السلطة.

ويتمثل الأثر السلبي لعامل الحماية القبلية في وجهين الأول : نزوع القبيلة إلى العنف إذا ما تحقق فرض الاشتباك المسلح بين أدوات الحماية التي يملكها العامل الأول وسلطة النظام إذ ستنخرط القبيلة تلقائيا في هذا العامل ليندمج بذلك العامل العسكري والقبلي في عامل واحد ، وعمليا فهذا الاندماج قائم وسيقتصر الأمر هنا على تفعيله ، ويتمثل الوجه الآخر في حال تهاوي أركان النظام ونجاح الثورة الشبابية الشعبية السلمية فمعلوم للجميع أن السلطة القبلية وراثية تسلطية طاغية وانتهازية أحيانا، وليس حديثا يفترى هذا القول فقد تنقض السلطة القبلية على السلطة السياسية وليست الستينات وما بعدها من القرن الماضي عنا ببعيد فلقد فرضت السلطة القبلية نفسها على السلطة السياسية، وأصبح كل زعيم ضمان قبلي وبنص دستوري بدرجة وزير بكل ما يترتب عليها من مزايا ، وليس مستبعد أن تنقض السلطة القبلية على السلطة السياسية عقب نجاح الثورة، وليس من المبالغة القول أن رجالها يطمحون دائما وأبدا باتجاه السلطة والمال والسلاح، وإذا ما تحقق هذا الوجه فإنه يعد مصادرة للثورة ، ويصعب من ثم التخلص من تسلطية واستبداد وطغيان السلطة القبلية إذا ما تلبست وتقمصت السلطة السياسية وسترزح البلاد من ثم تحت نير استبداد جديد، ولاشك أن أساس الاستبداد السياسي بالسلطة استبداد قبلي بها، وليس من المبالغة القول أن السلطة القبلية تعتمد بشكل أساس على مبدأ فرق تسد ، ولذلك يجب أن يكون واضحا لها أن عليها في المرحلة القادمة الابتعاد عن السلطة السياسية ليتمكن الشباب من بناء دولة مدنية حديثة يؤمن رجالها بتداول السلطة سلميا ويعملون على تكريس وترسيخ هذا المبدأ خدمة لليمن وأبنائه بعيدا عن الموروثات التي تكرس السلطة السياسية في أشخاص أو أُسر بذاتها.

ويتمثل العامل السياسي في المعارضة المنضوية فيما يعرف باللقاء المشترك والتي أعلنت مؤخرا الانضمام للثورة الشبابية الشعبية السلمية وتبني مطالبها برحيل سلطة النظام الحاكم ، والعامل السياسي لا يختلف عن العاملين السابقين من حيث أثره على الثورة الشبابية السلمية فله أثران أحدهما ايجابي والآخر سلبي فإعلان هذه الأحزاب الانضمام لثورة الشباب السلمية يمثل قوة ضغط سياسية إضافية على السلطة الحاكمة تدفع عجلة الثورة إلى الأمام شريطة إجادة استخدام هذه القوة ، غير أن الأثر السلبي للعامل السياسي يتمثل فيما يمكن أن يترتب على استمرار سلوك أحزاب اللقاء المشترك في سياستها التحاورية مع السلطة القائمة على أساس الصفقات السياسية التي تبرمها قيادات هذه الأحزاب بعيد عن قواعدها والتي برع الحزب الحاكم في تجريعها لها على مدار عقدين من الزمن ، ولقد برزت على السطح بعض السلوكيات التي تؤكد سير هذه الأحزاب على نهجها السابق رغم زعمها ركوب موجة ثورة الشباب السلمية الشعبية.