من العصبية إلى التدين.. بين هامش القضية وعمقها!
ثريا الشهري

الأثر القبلي لا يقتصر سلطانه على الدول الصحراوية الخليجية ذات المنشأ البدوي فحسب، فهو ما زال الأقوى أثراً أيضاً في البنى المجتمعية والسياسية في بلاد مثل الجزائر وليبيا، أو حتى اليمن والعراق وسائر مناطق الهلال الخصيب، مع العلم أن البداوة المقنعة بقشور الحضارة ليست بأفضل الحالات من البداوة الصريحة في مقاومتها لحياة التحضر، إن لم تكن أخطرها أحياناً لما قد تسبغه من تمويه خادع بشأن حقيقة تقدمها السطحي، أما إذا تناولنا الأمثلة العربية الأخرى من البنى التقليدية الزراعية ـ الريفية، فهي ليست أقل تصدياً بدورها للتحديث بأعدادها الغفيرة من غيرها، فعند قيام الثورةفي مصر كان عدد السكان نحو 20 مليوناً، وفي أقل من عشرين عاماً وصل العدد إلى 35 مليوناً، الرقم الذي سيرتفع في «منتص
ف القرن الجاري» إلى120 مليوناً، في مقابل 60 مليوناً في السعودية، و50 مليوناً في كل من سوريا والعراق، و160 مليوناً في إيران وحدها، فإذا أخذنا في اعتبارنا الإحصائية السائدة بأن معظم طبقات التزايد السكاني تمثلها أجيال شابة، تفتقر غالباً إلى احتياجاتها الأساسية مع ارتفاع سقف التطلعات الاقتصادية والاجتماعية العالمي بحكم ثورة المعلومات والاتصالات، ومع علمنا بانقسام البنى المجتمعية العربية كما أسلفنا، فليست من المصادفة أن تكون هذه الشرائح البدوية والريفية، وكذا المدنية الفقيرة أكثر البيئات استجابة للتجييش والتوظيف الديني ذي الطابع المتشدد، وخاصة مع تفاقم التدخل الغربي المصحوب بالتحالف الإسرائيلي، كما وأنه ليس من التجاوز القول بأن معظم انقلابات وثورات وحركات المعارضة التي عرفتها المنطقة، تعود بجذورها وانتماءاتها إلى القاعدة «الديمغرافية» المتفجرة، فماذا كان من تراتيب هذا التخطيط اللاتخطيط من قبل الدولة الذي لم يستوعب التضخم السكاني بشكل يشمل أهله في مراحل التطوير والرخاء، وإن حصل متأخراً، ولكن بإجراء لم يعوض بعد ما فات! نقول ماذا عن النتائج؟

تعرضت كفاءة الخدمات والمؤسسات العامة لتردي واضح بسبب اجتياح تلك العناصر السكانية، التي لم تتح لها فرص التعلم والتدرب والتمدن الكافية، فضلاً عن مخالفاتها لعدد من القوانين والأنظمة التي لم تقتنع بها حتى اللحظة، مما حول كثيرا من المدن إلى عشوائيات إسمنتية وبشرية حارت وزارات التخطيط في تنظيمها، وبما أن الموروث الأكبر لتلك الطبقات المجتمعية لا يخرج عن الديني والمذهبي الشعبوي والعصبي، فقد انتشرت بالتبعية قيم امتزجت بالتقليد والوهم وألحقته جزافاً بالدين، بفكر يقوم على تبسيط مقلق ومجحف للتعاليم الدينية، ولا يرتاح إلا لأكثر التفسيرات تطرفاً. فإذا التفتنا إلى الصعيد السياسي، نجد إلى جانب عصبية البادية التي لبست ثوب التمدن مع توطين البدو، والذين اضمحلت حدتهم على الأقل كقوة عسكرية مضادة، أصبحت هناك عصبية أخطر ومن نوع آخر، يطمع أصحابها في ممارسة الحكم وبمفهومهم، ومع هذا، فإن الحقيقة الأكثر وضوحاً لتؤكد وجود ما يعرف بالموجة الدينية، ولكن الأهم من معرفة ذلك يكمن في مرونة وذكاء استيعابها للتخفيف من تطرفها وقطع الطريق على من ورائها، وليس في مقاومتها بقلة حكمة وعنف يعلي من اشتعالها وحضور مؤيديها العاطفيين، صحيح أن الحركات الإسلامية تمتلك قدرتها على التعبئة في سبيل غاياتها، ولكن نجاحها لاحقاً سيقف على المحك، ذلك أن زخمها النضالي والجهادي سوف يستنفذ ذاته في خضم العبث الانتحاري والوضع الاقتصادي التعيس، والذي سيكتشف أتباعه مع الوقت عدم جدواه، ولنأخذ النهجين الأفغانستاني والماليزي لنعي المقصود بالكلام.

أما الأمر الثاني فيتلخص في مدى إمكانية طرح مشروع سياسي إسلامي عصري للحكم، فالفكر السياسي تاريخياً كان من أضعف العناصر وأكثرها غموضاً مقارنة بنواحي الحضارة الإسلامية الأخرى، حيث القصور السياسي مقتل مشاريع النهضة الإسلامية العربية، من محمد علي إلى عبد الناصر إلى النظام البعثي إلى سواهم، أما الرأي الثالث والأدعى، فإيجازه يكون في احتمالية نجاح الظاهرة الإسلامية المتشددة في اختراق حواجز الحضارة الحديثة وامتصاص أسرار علمها في ظل تجديد للدين يصون جوهره ويشترك مع خارجه، وهنا لا بد من التذكير بأن الإسلام قد قدم لنا بالتجربة والبرهان نماذجاً تفاعل الدين فيها إيجابياً مع مخالفيه، فاستطاع أن يخلق له عالماً جديداً خاصاً به، فلم يدخل في دائرة التقليد غير الخلاق، أو يئن ويستغله مناوئوه إلا عندما فقد الثقة في قوته الذاتية على الانفتاح، وشعر بالخوف من الإقدام، فهذا الرئيس البوسني ذو التفكير الإسلامي المتميز علي عزت بوجوفتش، نجح في التعايش مع المسيحية الأوروبية، وبالمثل الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، وكذلك مهاتير محمد، صاحب النموذج الماليزي الذي تحدى به التحديث الآسيوي في اليابان والصين والشرق الأقصى، وتناغم مع النظم الأوروبية والبريطانية بدستورها البرلماني من دون أن يتخلى عن تقاليده السلطانية المتوارثة، أو يجعلها تعيق طريقه، ومؤخراً، هذا منتيمير شريبوفيتش شايمييف رئيس جمهورية تتارستان الحائز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لهذا العام، من أحيا سياسة تعد بحق، مثالاً للتسامح الاجتماعي السلمي، بتأسيسه للجامعة الإسلامية ذات الثلاث لغات، وللعديد من المدارس والجمعيات الخيرية ومطابع المصحف الشريف والكتب الإسلامية، وللمساجد المدمرة البالغ عددها ألف مسجد، أربعون منها في العاصمة قازان، التي لم تحظ إبان الحكم الشيوعي سوى بأربعة مساجد فقط، ولا يكون التساؤل ما بين النموذج البوسني والإيراني والماليزي والتتارستاني، إلا عن النظير العربي القادم المعتدل والمجدد والمؤثر..!

كلمة أخيرة: المجتمع المتقدم يفسر دينه تفسيراً متقدماً، والمجتمع المتخلف يفسر دينه تفسيراً متخلفاً، كلمة بعد الأخيرة: في عالمنا العربي أصبح لدينا أمتان في أمة، ومجتمعان فكريان في مجتمع، إن لم يكن أكثر، وبالتالي فـ«حتمية الحسم» ليست بين الإسلام واللاإسلام (مصطلح سيد قطب والقاعدة من بعده)، ولكنها بين الإسلام والإسلام، كما قامت الفتنة الكبرى في الصدر الأول، وكما يجري في عراقنا اليوم.


في السبت 20 يناير-كانون الثاني 2007 07:35:35 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=1025