غيل بن يمين.. المظلومون أهلها
حسين السقاف
حسين السقاف

عند ما يمر عليَّ ذكر منطقة (غيل بن يمين) التي عشت فيها قرابة عشر سنوات - هي أجمل سنوات عمري - يتملكني شعورٌ بلعقوق تجاه هذه المنطقة هذا الشعور يمتزج لديَّ دائماً بالمحبة لأهلها وفيافيها ووهادها وقفارها وسهولها وهضابها وغيلها الذي كان نابظاً بالحياة ؛ كانت بلا شك هذه المشاعر الدافقة على الدوام مصدر إلهامٍ لأن أكتب رواية بعدد صفحة (320) لتكون الرواية الوحيدة من السبع الروايات المتقدمة من اليمن لمسابق (الألوكة) التابعة لرابطة الأدب الإسلامي لتصل إلى مرحلتها النهائية.إنها رواية (الرجل الحوت ) التي تدور كثير من أحداثها في منطقة غيل بن يمين.

كانت هذه المشاعر مصدر إلهام أيضاً لكتابة العديد من القصص القصيرة التي تنشر تباعا في بعض المواقع العربية وفي صحيفة الثورة ؛ ولعل أخرها التي بعثت بها الأسبوع الماضي إلى هذه الصحيفة وكانت أحداثها تدور أيضاً في (غيل بن يمين) بين منطقة نبرية وجبل (نطونط) الذي يعتمر أعلى قمة على الإطلاق في الهضبة الشرقية.

بالتأكيد عند ما أكتب عن الغيل وأهلها لا أجد عناءً في ذلك ؛ فسرعان ما يكون القلمُ جواداً وسرعان ما تتكون سحب المداد الممطرة لتنهال على قلمي. ؛ فتتكون حالة من العشق بين أناملي والقلم ليجتاز بسلاسة شوارع الحروف وساحات الكلمات حتى يصل مبتغله.

أعزتي الكرام أكون صادقاً إذا ما قلت لكم إن أهل غيل بن يمين هم أكرم الناس رغم فقرهم الذي وصل في السنوات الأخيرة إلى الإملاق وربما قال قائلٌ : كيف يكونون كذلك وهم محاطون بحقول النفط؟ ، وعلني أوجز إن تمثلت قول الشاعر:

كالعِيرِ في البيداءِ يقتلُها الظماء*** والماءُ فوق ظهوِرها محمولُ

فالغيليون ليس لهم من كل تلك الحقول النفطية إلا دخانها؛ أما خيراتها فتذهب عبر أنبوب إلى (ميناء الظبة) ومنه إلى ماشاء لها أن تستقر. ما يبقى في هذه الأرض هو الدخان الذي يجثم على أنفاس الأهالي هنا و يطمث عذرية بيئتهم الفطرية..

تصور عزيزي أن أهل الغيل هم الأفقر في هذا البلد على الإطلاق بحسب إحصائيات وتقارير منظمات دولية.

عند ما ذكرتُ بأن أهل الغيل هم أطيب الناس تكون طيبتهم هذه - فقط - لمن كان يتخاطب معهم بها. لذلك فأن لهم لغة أخرى قد اشتهروا بها على الدوام ، ولعل طيبتهم هذه تجعل البعض يأمن بطشهم ، وتجعلهم يلجئون إلى تلك اللغة البديلة ، ويكفي أن أقول أنهم الوحيدون الذين يهاجمون ناقلات الجند البريطانية المجهزة- فقط - بأيديهم العارية إلا من السلاح الأبيض، فَطْرقِ أخبار سير شجاعتهم و استبسالاتهم هي مثل طرق (سيرة الثعابين) التي لا تنتهي ، وإذا ما أحببت تفصيلاً وإطنابا فعليك أن ترجع إلى المصادر ‘أرجع مثلا للتاريخ العسكري لليمن.لسلطان ناجي. 

أدرك القائد العسكري لحضرموت محمد إسماعيل قوة شوكتهم لذا عمد على حياكة الفتن والوقيعة بينهم وبين غيرهم ومن جهة أخرى فيما بينهم غير أنه لم يفلح في إطفاء جذوتهم حتى عمد إلى قتل زعيمهم ومقدمهم علي بن أخمد بن حبريش العليي بطريقة غادرة وجبانة. أما اليوم فقد خلف من بعد إسماعيل خلف الضرَّاب الذي ( ضرب) عليهم في الغيل سنين عددا ؛ مستخدماً معهم سياسة التجويع والإذلال فهو يتصدق عليهم بفتات موائده العامرة ؛صدقة يتبعها منٌ وأذى ؛ فقد عمِدَ بذلك على فت النسيج الاجتماعي المتميز لدى أهل غيل بن يمين الذين لم يعهدوا عبر تاريخهم التمايز والفوارق الاجتماعية فإلى عهد قريب كانوا سواسية في أفراحهم وأتراحهم فهم الذين مازال يتحقق فيهم قول الرسول الكريم كالبنان أو كلبُنيان وهم الذين مازالوا يحملون أمانة الأمة في مكارم أخلاقها.

إن سياسة التجويع التي ينتهجها القائمون على حماية الشركات في هذه المنطقة سوف تزلزلهم لا محالة غير أنني وبحكم معرفتي بهؤلاء القوم أنصحهم بأن يعدلوا عن هذه (الدكتوقراطية) وأن يحترموا كرامة الكرماء من أهل غيل بن يمين وساة وأحباطهما ليكونون عوناً لهم وذلك بمنحهم حقوقهم كاملة غير منقوصة من خلال حق الأولوية في العمل دون الاعتماد على حفنة لا يهمها إلا مصالحها ، ولا يمكن تحقيق جزء من ذلك إلا بنبذ العقلية البوليسية في التعامل مع المواطنين كما أن عليهم أن لا ينظرون إلى المواطنين ومصالحهم من منظور استعماري بل عليهم أن ينظروا إليهم من كونهم مواطنون محرومون من المواطنة الحقة المنصوص عليها في الدستور.

أتذكر قبل سنوات أنني كنت ذاهباً إلى غيل بن يمين وبعد طلوعنا من رقبة بن يماني في السهوب الممتدة إلى الشرق بالقرب من (منطقة بن قلام) كنا قد وجدنا على الطريق تجمع مائي كبير يفوق حجم الكريف مساحةً ، كان الماءُ صافياً استغربنا ذلك فعمدنا إلى الشرب منه والطهور لصلاة الضُحى بجانبه وبعد ان فرغنا من صلاتنا وجدنا مورد الماء يتدفق من ماسورة واسعة في مرتفع جبلي يطل على الموقع . غير أن دهشتنا كانت أكبر عند ما وجدنا أشجار السمر والسلم في هذا الماء ميِّته ولا توجد في حواشيه أي أثر لطحالب أو حشائش. فعند مناقشة الأمر مع بعض الاختصاصيين في الجيولوجيا أفادوني بأن عملية الضخ للنفط في هذه البقاع أو في بعضها تتم عن طرق إعادة حقن النفايات النفطية في باطن الأرض وهي طريقة ممنوعة لتصادمها مع قوانين البيئة وأن هناك الكثير من المنظمات البيئية التي تحارب هذه الطرق لما يترتب عليها من إضرار بالمياه الجوفية. عندها وضعت كفي على رأسي بعد أن تذكرت ذلك المشهد الذي كان فيه الرئيس علي عبد الله صالح والرئيس علي سالم البيض وهما يدشنان أول ضخ نفطي في هذه المنطقة ، وتذكرت البيض وهو يدلي بتصريحه القائل بأن ما أكتشف في هذه المنطقة هو أكثر أهمية من النفط وأنه أكتشف في هذه المنطقة أكبر حوض مائي في الجزيرة العربية.

علني لا أخص بلومي القائمين على الشركات النفطية من مدنيين لا حول لهم أو عسكريين تفاقم جورهم ؛ وكنني أشمل بذلك الشركات العاملة نفسها لأنه ولا محالة عند ما يتم العدل وعند ما تتحقق المواطنة المتساوية وعند ما ينتزع هذا المواطن كرامته وعند ما تتوافر الأسس والاعتبارات اللازمة لصيانة هذه الكرامة و عند ما يتحقق العمل بالأنظمة والدساتير ، وعند ما يتوافر كل ذلك ولو بحدة الأدنى فأن الأمر لن يستمر على ذلك. سيكون لهذا المواطن راعٍ يرعاه ويسهر على مصالحة ليذود عنها، عندها ستُفتَح الدفاتر. لذلك فأنني أقول لهؤلاء وهؤلاء أتقووا الله في هذا المواطن واتقوا قوانينكم فيه.

أختم مقالي بتمنياتي بالشفاء العاجل لعدد (35) مصابا من شباب غيل بن يمين الشجعان الذين تعرضوا اليوم لهجمات قوات حراسة أمن الشركات عند ما كانوا يعبرون بطريقة سلمية عن حق يعد الأبسط في قائمة حقوقهم المسلوبة.ألا وهو استمرار وفاء شركة (كنديان اكسي) بالتزامها بتوفير الطاقة الكهربائية لهم التي قطعت مؤخراً.


في الخميس 07 يوليو-تموز 2011 05:59:55 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=10950