عجلا جسدا له خوار
عبدالله عمر القطابري
عبدالله عمر القطابري

أيها الأعزاء جميعا إن ما نمر به من أحداث يكشف لنا يوما بعد يوم ان الصراع الدائر حاليا يأخذ منحىً أعمق مما كنا نتصور فلم تعد المسألة بين الثوار المطالبين بالحرية وحقوقهم المسلوبة من نظام جائر وفاسد فحسب, فقد أظهرت الفترة منذ بداية الثورة وحتى هذه اللحظة إن الأمر أصبح اخطر من ذلك وان الصراع أصبح صراعا بين الحق والباطل , فالمتأمل جيدا بالأحداث منذ بداية وقوعها في تونس ومن ثم في مصر وحتى هذه اللحظة يجد أن عصى القدرة الإلهية هي من تسير الأحداث وأن ما حدث فيهما من سقوط رؤوس النظام و أنا أقول هنا رؤوس النظام لأن الثورة التونسية والمصرية لم تنتهِ عند هذا الحد بل أنه مازال لديها الكثير لتعمله للتخلص من الأنظمة السابقة بشكل جذري ونهائي , وهذا موضوع آخر سنتناوله في رسالة لاحقة إن شاء الله , وأعود إلى حديثي السابق فأقول أن سقوط رؤوس أنظمتها كان بمثابة قوة دافعة أو كما قال احدهم انه كان طعم ألقاه الله عز وجل للشعوب اليائسة من تغير واقعها لتهب وتثور وتنتفض على أنظمتها وتتجاوز كل تلك الحواجز والجدران التي أقامتها أمامها من وسائل قمع وتجهيل , وتجهيل هنا هو الموضوع الرئيسي لإيصال فكرتي الرئيسية لعزيزي القارئ من أن الصراع أصبح صراعا بين الحق والباطل وليسمح لي عزيز القارئ هنا أن استعين بنقل بعض المقولات من احد المفكرين لدعم هذه الفكرة والنص يقول (من المعروف ان القران الكريم قد انطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام , ولم يشفع لهم شعر رائع وأدب فذ في ان يصفهم بهذا الوصف, لان التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة من طل عنصر خلاق أو فكر عميق , وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية فأن الجهل في حقيقته وثنية لأنه لا يغرس أفكاراً بل ينصب أصناما , وهذا هو شأن الجاهلية)1.

والذي نستنتجه من هذا النص أن الأنظمة العربية وكل الأنظمة الديكتاتورية تمارس على شعوبها سياسة التجهيل لتجعل من أنفسها أصناماً تعبد وهم الذين ذكرهم الله بالطغوت2 , فقال جل ثناؤه {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ }النحل36, ولقد ذكر القران الكريم هؤلاء الطواغيت في أكثر من موضع ليبين لنا مدى خطورتهم على المجتمع والأمة بأسرها, فلقد جاءوا بكل قبيح لا يتناسب أبداً مع مبادئ الرسالة المحمدية وذلك بعد ما غرسوا الجهل في عقول الناس وأرواحهم ،فكلنا يعلم أن المستوى التعليمي في اليمن وفي جميع الدول العربية قد تدنى إلى أدنى مستوياته , ليس لأن إمكانيات الدولة لا تسمح بتقديم مستوى تعليمي أفضل بل لأن الأنظمة لا تريد مستوى تعليمي أصلا, فجعلوا التعليم مجرد قشرة خالية من أي فكر, ومن أي عنصر خلاق, وهذا ما راهنت عليه هذه الأنظمة القبيحة في تدعيم بنيانها الذي يحوي بداخله كل أشكال الفساد و القذارة والوضاعة , متسترة بجهل شعوبها التي رغم معاناتها وأناتها ما تلبث أن تخرج مصفقة لتلك الأصنام وعندها الاستعداد التام أن تهب دماءها وأرواحها لمعبودها حتى و لو كان "عجلاً جسداً له خوار".

ألا قبح الله كل هذه الأنظمة التي كادت أن تفقد هذه الأمة هويتها {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} آل عمران110, وكيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحن نجهل أننا في عمق عمق المنكر بعبادتنا لتلك الطواغيت فكيف لنا أن ننهى عنه , وكيف نأمر بالمعروف ونحن بعيدون كل البعد عنه وفاقد الشيء لا يعطيه.

ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون فأرسل رياح الثورات مبشرات بين يدي رحمته عز وجل محملة بالحق لينزع عن هذا الباطل أقنعته فيكشف مدى قبحه و بشاعته, فلا يظهر الشيء إلا ضده ولولا الضد لفقد الشيء صفته , ولولا النور ما عرفنا الظلام , ولولا الحق ما عرفنا الباطل {.... فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ..} يونس32, وإن ما تمارسه عصابة النظام في بلادنا من فصل للتيار الكهربائي, وقطع المشتقات النفطية , وتضييق على الناس معيشتهم , تهديد الأمن والاستقرار, ومحاولة جر البلاد إلى حروب لا أساس لها وهم المؤتمنون عليها ما هو إلا دليل قاطع على أن الصراع ما هو إلا صراع بين الحق ولباطل, لأن الحق كشف الباطل فنزع عنه أقنعته فأظهر قبحه ولولا ظهور هذا الحق ما عرفنا كل هذا القبح في الباطل. قال الله عز وجل (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{16} أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ{17}).

إن هذه الآيات العظيمات الكريمات الحبيبات لدلالة على أن هذه الأنظمة التي اتخذت أوثانا وأصناما تعبد ما هي إلا زبد سيذهب جفاء , وأن الحق وهو ما ينفع الناس سيمكث في الأرض {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً }الإسراء81، فهبوا أيها الأعزاء جميعا لنصرة الحق والالتحاق في ركبه فهو يتسع لكم جميعاً.

أختتم رسالتي هذه برسائل متفرقة:

الرسالة الأولى:

للفئة الصامتة: وهم من الذين يعانون من العقاب الجماعي الذي تمارسه عصابة النظام و والذين ينتظرون من الثوار أن يلقوا عصاهم فإذا هي تلقف ما يأفكون أو يضربوا بها البحر فيصبح كل فرق كالطود العظيم , أو ينتظروا أن يطغى فرعون عليهم فيذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم فيصبحوا منهم ساخرين , أو يغرق البلاد والعباد فيصبحوا منهم ساخطين , ولكننا نقول لكم المراقبون المنتظرون إن صمتكم وبال عليكم وعلى أبنائكم فظموا أصواتكم إلى صوت الحق تختصروا الطريق على إخوانكم في الساحات الذين لم يبخلوا بغالٍ أو برخيصٍ إلا وبذلوه في سبيل حياة أكرم لكل الشعب بما فيهم انتم.

الرسالة الثانية:

إلى أولئك الذين التحقوا بالثورة لتحقيق أغراض خاصة بهم سواء كانت أحزاب أو جماعه أو أي فئة كانت, فأقول لهم إن المرحلة القادمة ستثبت لكم رغم أنفكم انه لا مكان لأغراض شخصية لان المصير أصبح مصير امة بأسرها وأذكركم بقول الله عز وجل {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...} آل عمران179.

الرسالة الثالثة:

أذكر بها أولئك الذين مازالوا يدعمون عصابة النظام بقول الله عز وجل (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ{165} إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ{166} وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ{167}) البقرة , وأقول لهم أيضا أن الآيات فيها تحذير شديد فليتأملوا جيدا في مواقفهم وليصلوا لله ركعتين يدعون الله فيها أن يريهم الحق حق ويرزقه أتباعه , فلعل الله أن يتقبل منهم ويهديهم إلى سواء السبيل .

الرسالة الربعة:

لدول الإقليم قال الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ{96} وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ{97} فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ{98}) يونس.

الرسالة الخامسة:

أقول لكم أيها الأحرار بوركت كل جهودكم بإذن الله فأنتم من اختاركم الله عز وجل لتكونوا جنود الحق فهنيئا لكم هذا الشرف العظيم , ونصيحتي لكم بأن تكللوا إيمانكم بقضيتكم بالإيمان القاطع بأن النصر لا يكون إلا من عند الله عز وجل , وأن الإيمان بالقضية وحدها قد يصل إلى مستوى معين فيقف عنده بسبب ما قد يقابله من عراقيل وإحباطات إلا أن يكون محفوظا بروح الله وأذكركم بقوله عز وجل {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} التوبة109.

وفي النهاية أختتم القول بقوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة256.


في الخميس 11 أغسطس-آب 2011 07:04:54 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=11294