طفولة متبقية في القدم !
سلوى الإرياني
سلوى الإرياني

:ـ ألا تلعب أبداً؟ كرة قدم مثلاً؟

أجابني:ـ بلى، ألعب بين الحين و الآخر. مثلاً أخذ قارورة من هذه القوارير التي أجمعها لأبيع الكيلو منها بـ150 ريال. أعود بالقارورة فيفرح أخوتي و أمي.أطلب منهم أم يجلسوا في حلقة ، أضع القارورة في الوسط ، أبرمها فتدور. حين تتوقف عن الدوران تشير بفوهتها لأخ من أخوتي و تشير بقاعها لأخ ثاني من أخوتي. فيقوم أحدهم بسؤال الثاني سؤال شريطة أن يكون مضحك. إذا لم نضحك قمنا جميعاً و ضربناه! يعني أنا ألاعب أخوتي و لا ألعب أنا!

ثم ضحك الولد الصغير ، فسألته عن السبب ،أجاب:ـ تذكرت آخر مرة لعبنا فيها هذه اللعبة ، كان دور أخونا الأصغر أن يسأل. فسأل أخي الآخر "ما لون سروالي الداخلي؟" و يومها انفجرنا ضحكا،ارتمينا على ظهورنا ضحكا، حتى أمي جلجلت ضحكتها. هل تعرفين على ما ضحكنا يا عمة؟ أجبته بتلهف:ـ لأن السروال الداخلي لا يراه أحد؟ فرد:ـ لا ، ليس لهذا السبب ضحكاً، بل لأننا جميعا لا نرتدي سراويل داخلية بل نلبس بناطيلنا بدون أي ملابس داخلية، فكيف يسأل الغبي عن لون شيء لا وجود له؟" هززت رأس مثقل بأسى هلامي. سألته:ـ لماذا تجمع القوارير المعدنية؟ يا حزن متجسد أمامي مأساويته تشير بكل رماح الدنيا إلى القلوب الجبلية التي تستوطن الصدور. نظر إلىَ نظرتنا جميعاً إلى معتوه. أجاب:ـ أجمعها لأنني أبيع الكيلو منها بـ150 ريال! عضضت شفتي لهول ، لفداحة ، لجنون ما يقل. ضغطت بأصبعي نقطة دم برزت من شفتي. و كأن ال150 ريال يا حزني المتحرك،الناطق أصلا نقود.

 

كان الصبي ربما في الحادية عشر من عمره، ربما اصغر قليلاً أو أكبر بقليل. لا يهم، ما يهم هو أنه "طفل" بكل المقاييس الإنسانية و الحيوانية. هل تعرفون طرزان ، فتي الأدغال، الذي عرفت لبوه في الغابة أنه رضيع فأرضعته و كبرته مع أشبالها. لست أدري ما ذكرني بتلك القصة و أنا أحادث هذا الولد المبتئس لانتمائه لعالمنا نحن بنو البشر. كان يتحدث إلى و عينيه تذرع الشارع طولا عرضاً ثم ينقب في يداي ، خلفي ، تحته و تحتي. خمنت أنه يبحث عن قوارير. تحرك ليذهب فاستبقيته قائله:ـ ابق معي قليلاً، أريد أن أتحدث إليك. رد بصوت مرتفع مادا كفيه أمامي:ـ و كيف أعود و يداي هاتين خاويتين؟!!! الله أكبر كم أقشعر بدني من منظر كفيه المفتوحتين أمامي. المتسختين بشده ، المليئتين بالخدوش المستفحلة، و تحت أظافره أوساخ مزمنة، جلده راوي لمغامرات كلها عنف و أخطار. بلعت ليس ريقي ، لا والله بل بلعت سيول كادت تسد مجرى تنفسي من ملوحة و تدفق الدموع. لا أعلم ما ذاك الذي هزني في منظر كفيه المفتوحتين، ربما لونهما، ربما العروق الزرقاء المنتفخة فيهما، خلو جلده من أي شعر،طفولته الصارخة بعالي الصوت. لدرجة أنني وقفت أمامه فإذا بي أتراجع خطوتين للخلف أو كما يوصف السكارى بأنهم ترنحوا فإنني كذا ترنحت! سألته بعاطفة هوت قواها فعجزت عن إخفائها :ـ هل تقبل مني هدية؟ نظر إلى بتطلع. واصلت قائلة:ـ سأعطيك يا قلبي الموجوع ما في حقيبتي، هو مبلغ صغير ،لكني أريدك أن تحدثني قليلاً. ممكن؟ قبل أن أكمل طلبي كان قد جلس على الرصيف مادا كيس قواريره كالجثة على الأرض. أخرجت من حقيبتي ألفين و ثلاث مائة ريال هي كل ما كان بحوزتي في تلك اللحظة ، سلمته إياها. أمسك بها بنشوة و صاح:ـ خذي القوارير كلها يا عمة ! جلست إلى جانبه على الرصيف ضاحكة و أخبرته أنني لا احتاجها و أنه من جمعها فهي له. سألته :ـ أين والدك يا ابني؟ أجاب بحزم:ـ لم تسألينني أولاً عن اسمي أنا؟ تحرجت من سؤاله. فاعتذرت و سألته عن اسمه. قال لي اسمه بقوة و فخر و أضاف :ـ أما والدي فرفاهية فقدناها منذ سنة و نصف تقريباً. كان لدي أب. كان سائق شاحنة من صنعاء إلى تعز. لست أدري ماذا كان ينقل فوق ظهرها. ربما اسمنت، أحجار و ربما حتفه. فقد تعرض لحادث ، غفي و هو يقود فطار جو من نقيل سماره إلى الأسفل. مات موته ضخمه رائعة، "طيران"!!وجدوه داخل حطام الشاحنة. حكوا لي أصدقاءه عن علو شاهق، جبل و سائق يرشد ليله للصباح. أنا ألان رجل البيت. أمي كذلك موظفة. أنها تشحذ صباحاً في الجولة القريبة من الدكان الذي نسكنه. تأخذ معها أخي الصغير و الحمد لله أنها ليست جميلة و إلا لكنت تعبت و أنا أكافح الرجال الذين كانوا سيرهقونها بتحرشاتهم. تبقى أختي الأصغر مع بقية أخوتي في الدكان. نأكل أحيانا بطاط مع خبز و أحيانا أرز و سلطة. لا نعرف الشبع. نحن خمسة ، أنا الخامس. لا، لا ، لحظة أعتقد أنا السادس. دعيني أتذكر ، آه ،أجل أنا الخامس. لا أحد منا يدرس. الدراسة للأولاد" المدلعين". ها أنا أجوب الشوارع حين أجمع القوارير فأرى المدارس مغلقة، أصبح بعضها أماكن للنازحين أو العسكر و الأسلحة. سمعت في الشارع الرجال يتحدثون عن إغلاق جامعة صنعاء. كأن هذه الثورة قامت لإسقاط التعليم لا لإسقاط النظام و الرئيس كما يهتف الثوار.شيء غريب لم استطع فهمه. ألم يكن الأجدر بهذه الثورة أن تطعمنا، تسقينا و تكسينا بدلاً من إسقاط التعليم. و كأن اليمن لا يكفيها أنا و أخوتي الجهلة الخمسة!

سمعته بأذني و عقلي . من أفهم هذا الصغير أن الثورة تأكل الشعب أو تشربهم أو تكسيهم؟ من لقنه بأنها "كفيل"؟ يكفيها فخراً أن تنجز المساواة في الحقوق و الواجبات. فتصبح أنت يا قلبي الحزين و ابن الرئيس متساويين في الفرص! من أفهمه هذا الفهم الخيالي؟ كيف يفكر هذا الرجل الصغير؟ من علمه؟ لعلها الدنيا ، لعله الشارع و قد يكون معلمه ذاك العلو الشاهق الذي هوى منه والده.

وصل إلى الشارع ،مجموعة أولاد. يرتدي نصفهم تي شرتات صفراء و النصف الأخر تي شرتات خضراء. في يد أطولهم كرة فاخرة. سيلعبون كرة قدم . تفرست في تقلصات وجه الولد بجانبي و هو يراقبهم. رأيت حاجبيه يلتقيان في تركيز و يفترقن في راحة. لم أرد مقاطعته. تأملت بشفقه يده تتكور و أصابعه تنقبض ثم تنفرد.كانت عينية شمعة واحدة مطفأة. سمعته يتمتم و هو يعدل جلسته لكي يشاهد بشكل أفضل:ـ أولاد عاطلين عن العمل! "فرغ"!! لا يقصدون الباري على بطونهم ، بطون أخوتهم. لا يشفقون أمهاتهم.

فرغ؟! يا لهذا الرجل الصغير ، من كبره؟ أين المحاكم ، القضاة، كل المحاميين ، أين العدالة لترمي كل من ظلم هذا الطفل في زنزانة و تقيده بقيود.هل ُيعقل أن هذا الطفل الاعطر من أعطر براعم الورد، الأظرف من أظرف صوص الدجاج، الأكثر شموخاً من الطواويس، الأخف دماً من ريشة في مهب الريح، هذا البني آدم ، هل ُيعقل أن يكبر جسمانيا مثلما قد نضج ذهنياً دون أن يذوق و لو بطرف لسانه و لو للحظات طعم الطفولة الحلوة؟ هل يعقل أن تتوارث البشرية خزائن الظلم فيها من جيل إلى جيل فتكبر كروش اللصوص و تتدلى جيوبهم و ستمر ببساطة هكذا "الحال"؟ هل يعقل أن يتغذى اللصوص و يزدهر مستقبلهم على ظلامك ، ظلمك و جهلك و جوعك يا قلبي الصغير؟ طفل أنت مهما أنضجوك! طفل أنت مهما كبروك! طفل أنت مهما تجاهلوك! طفل أنت مهما ألقوا بك خلف كواليسهم المخملية! طفل أنت شاء من شاء و أبى من أبى! طفل أنت برغم أنوفهم! طفل أنت ، فلا تحزن فإن الله معك يا ابني، مهما خذلوك. سألته:ـ هل لديكم في دكانكم بطانيات؟ تلفاز؟ كهرباء؟ من أين تشربون؟ ترك الولد كل أسئلتي دون إجابة. و أختار هذه الإجابة:ـ لا ليس لدينا كهرباء. لم نسدها منذ وفاة والدي فقطعوها.أنتم تسددون و ليس لديكم كهرباء. نحن أذكى منكم. أدركنا أنهم لصوص فلم نسدد. هززت راسي بصداعه الهلامي المثقل بحزن لا أشفى منه و قلت :ـ أجل كلنا في الهم مساكين. رأيته يتابع المباراة التي كان يلعبها أولاد ذلك الحي أو "الفرغ" كما أشفى غليله أن ينعتهم . وقف ليشاهد عن كثب. لاحظت أن أي هدف يضيع كان يتحسر علية ، و لاحظت أنه يتحسر لكلا الفريقين ، لا يهتم للفريق لعله مع الفائز! كان يقفز فرحاً لأي هدف ، كان تواق للفوز غير آبه بمن هو. نهضت واقفة معه قائلة:ـ اسمع، هل تريد أن تلعب؟ نظر إلى ، بحدة ، بغضب، بفرح، برجاء و أسف مرة واحدة و صاحت في وجهي عينيه المتسعتين:ـ لماذا؟ هل بالإمكان أن العب؟ أجبته:ـ طبعا! لما لا؟ سأنتبه لكيس قواريرك و أنت اذهب و العب( يا قلبي الموجوع، طفل أنت مهما تآمروا ليكبروك). فوجئت به يمسك كيس قواريره قائلاً:ـ لا لن ألعب. فشددت الكيس منه قائلة:ـ بل ستلعب! أقسم بالله إنك ستلعب. شد الكيس و شددت الكيس ثم ألقى بالكيس أرضا في حنق و قال لي:ـ ما بك يا عمه؟ أجادة أنت؟ هل تعتقدين أنني مجنون لكي أهين نفسي ، هؤلاء الفرغ المدلعين لن يقبلوا حتى أن أقترب منهم. لديهم أب ، لديهم كرة و ليس معي سوى قوارير! صممت بقولي:ـ اليمنيين طيبين يا قلبي الصغير. أجاب :ـ ليس دائماً ، صدقيني. و هم كذا ليسوا طيبين معي! اعتبرت الأمر تحدي. ذهبت إلى الأولاد و أشرت إليه قائلة:ـ هذا ولد محترف في كرة القدم. من سيقبل انضمامه إلى فريقه اليوم ، هه؟ اليوم فقط سوف يكون الفائز. لاعب رهيييييييييب. نظروا إلىَ ، نظروا إليه، نظروا إلى بعضهم البعض. كان منظره و اتساخ ثيابه أمر غير مشجع! لكن كان بينهم ولد أحاسيسه رائعة، فهم القصة الحزينة دون أن تحكيها أي كلمات و قال لي :ـ قولي له أن يأتي ، يلعب مكاني و سأكون أنا الحكم اليوم! ابتسم لي ، فابتسمت له و كأنه يقول لي "أنا فاهم أن هذا الولد متشوق ليلعب كرة قدم ." أشرت بيدي للولد فألقى بكيسه أرضا و هب إلينا ، و توقف مصدراً صوت فرامل سيارة حتى سددت أذني و صاح و هو يدخل بينهم:ـ هاه؟؟ ألعب؟ قابلين بي؟ هزوا رؤوسهم بإذعان ، لعلهم خشوني. لعبوا ، لم يسجل أي هدف. لكنه ركض، ركل، قفز، صاح، عرق ! جلست أتفرج عليه متخيله كم يتوقد قلبه في تلك اللحظات. عندما بدأ المغرب بدا كسندريلا التي يجب أن تترك القصر قبل منتصف الليل. أسرع يشكر الأولاد و يحييهم تحية العسكر الرجال. جاء إلى ، تناول منه كيسه. رأيت في قبضته الألفين و الثلاث مائة، لعله لعب و هي في يده. ابتسم لي.مسحت على شعره المتسخ ،قلت له و هو يهم بالرحيل:ـ اسمع يا ابني ، قد تكون الطفولة انحسرت منك. انحسرت من ذهنك ، من عينيك، من قلبك، من يديك لكن لازالت تلفظ أنفاسها في قدميك فاغتنمها و العب متى ما رغبت ، اذهب يا بني، و لا تحزن ، لا تحزن أبداً. فإن الله أكبر من اكبر ظالم فوق أرضك يا اليمن.


في الإثنين 17 أكتوبر-تشرين الأول 2011 07:34:25 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=11978