بجيتار واحد .. أحكمُ العالم
فكري القباطي
فكري القباطي

لا شيء يستطيع إخراس المدافع مثل الأغنية ... ولا شيء يستطيع حشوها مثل الأغنية فللعلاقة الحميمية بين الأغنية والقلب ثلاثة أوجه : ( وجهٌ عاطفي ، ووجهٌ أخلاقي ، ووجهٌ غرائزي )

تتراوح تأثيرات الوجه العاطفي للأغنية مابين الترويح النفسي والاسترخاء الشاعري والانجذاب العاطفي وإثارة الأشجان وكذلك ترقيق المشاعر وتهييجها ...

أما التأثيرُ الأخلاقي للأغنيةِ فيتجلّى من خلال التأثيرات السلوكية للمطرب سواءً كانت تأثيرات حركية أو شكلية فهيَ غالباً ما تلقى استجابةً سيكولوجيةً من المستمعِ سواءً كانَ محافظاً أو متحرراً .. فالإلهامُ الصوتي الذي يتركهُ المطربُ أو المنشدُ في نفسِ المستمعِ سواءً كان إلهاماً رومانسياً أو إلهاماً شجنياً أو إلهاماً دينياً يبقى إلهاماً مؤثراً على كافةِ الجوانبِ الخُلُقيةِ ولنا في تأثيراتِ قنواتِ الفنِّ الرومانسي وقنواتِ الفنِّ الديني على حدِّ سواءٍ عظةً وعبرة ..

فمعَ وجودِ الفارقِ المظهري -لا الجوهري- بين النوعين نجدُ أن شرائط الإهداءات لـ قنواتِ الأنشودةِ لا تختلفُ كثيراً عن شرائط إهداءاتِ قنواتِ الأغاني إن لم تكن قد تفوقت عليها من حيث التأثيرِ السلبي على الفئاتِ المحافظةِ وبالذاتِ من الفتياتِ حيث يظهرُ ذلك التأثير من خلال شرائط الإهداءاتِ التي استطاعتْ أن تكسر حاجز الرهبةِ والحياء التي تميزتْ بها الفتاة المحافظة من غيرها فتبادل كلماتِ الإعجابِ بين الجنسينِ في قنواتِ الأغنيةِ وقنواتِ الأنشودةِ لا يختلفُ سوى في ( حبيبي وأخي في الله ) ..

ولن نغفلَ أبداً التأثير الإيجابي للأغنيةِ الهادفةِ على السلوكياتِ فكثيراً ما يكون التلقين التربوي مُمِلاً حينما يخاطب العقل فقط ولكنه من خلال الطرب قد يساهم في وحدةٍ سيكولوجية بين العقل والقلب وبالتالي قد تتغير أخلاقيات وربما إيدلوجيات كما حدثَ حينما أسلمَ مسيحي بعد سماعهِ لأنشودةٍ هادفةٍ لأحمد خاطر وإن كنتُ أشكُّ أن الأخير يحملُ هدفاً ولكنَّ الله يبعثُ الحي من الميت ..

أما التأثير الغرائزي الذي تؤججه ما تسمى بـ (الأغنية الهابطة) فهو يتجلّى بشكلٍ واضح في المجتمعات المحافظة بالذات من خلال تحريكها للغريزة المدفونة والمكبوتة وبالأخصِّ إنْ صَاحَبها تأثيرٌ بصري أو ما يُسمّى بالفيديو كليب ..

وإذا تناولنا الجانب السلبي البحت للأوجه الثلاثة فلن نكون مبالغين إن قلنا أن ثلاثة أرباع القوانين المخترقة في العالم -سواءً كانت قوانين سماوية أو وضعية- سببها الأغاني ..

بل أن الدمار الذي قد تحدثه أغنية ثورية واحدة يفوق الدمار الذي قد يحدثهُ جيشٌ جرّار ..

ولهذا تكون الأغاني الثورية أول خطوةٍ يلجأ إليها الزعماء لحشد القلوب قبل الأجساد ومن ثم تجييش العواطف لصالح حربٍ لا تُدركُ الشعوب تأثيراتها إلا بعد انتهاء الأغنية ..

وحتى بعد انتهاء الحرب تكون الأغنية حاضرةً لتغطية الآثار التدميرية التي خلّفها صناع الحروب بـ ألحانٍ مزمجرةٍ وأصواتٍ هادرةٍ تُضيفُ صبغةً بطوليةً على مصاصين الدماء وتحولهم إلى أبطالٍ قوميين وبالمقابل تقطعُ الطريق أمام الأصواتِ المعارضة والتي غالباً ما تمتلك المنطق إلى جانبها ولكنها تخسرُ أمام التأثير العاطفي الهادر للأغنية ...

ومن عجائبِ الأغنيةِ أنها أولُ خطوةٍ يُقْدمُ عليها أوصياء الشعوب وسادة الحروب على حد سواء بل هيَ حجرُ الأساس الأول للدولةِ الوليدة ..

فأول خطوةٍ يلجأ إليها الزعماء قبل إعلان الدولة هي النشيد الوطني وهذا ما فعلهُ زعماءُ الإنفصال في جنوب السودان الذين أعلنوا عبر قناةِ الجزيرةِ عن بدئهم في إعداد النشيد الوطني قبل أن يبدأ الاستفتاء في خطوةٍ ذكيةٍ وجهنميةٍ لدغدغةِ المشاعر القومية والدينيةِ لسكان الجنوب وكان سيبلغ التأثيرُ ذروتهُ إن بدأوا في إذاعة النشيد قبل بدء الاستفتاء سيما إن اعتمد النشيد على إثارة النزعة الدينية كونها الاختلاف الوحيد الذي يميز سكان الجنوب عن الشمال ...

وهكذا يكون المطرب هو الباني والمخرب في آن ٍوحمامة السلام والمحارب في آنٍ آخر..

ففي عصرِ المادةِ توقفت العواطف عن الاستجابة الذاتية بسبب الهيمنة المادية على مظاهر الحياة مما أدى إلى ظهور مصطلحِ (الفراغ العاطفي) وهو الفراغ الذي دخلت الأغنية من خلاله إلى القلوب والعقول فأصبحت الأغنية هي الوقود الذي تتزود منها العواطف لكي تحافظ على أدنى درجات التوازن أمام العقل والغريزة ..

وفي زمنٍ انعدمت فيه القيادات الحقيقية والكاريزميات المؤثرةِ أصبح بمتناول أي رويبضةٍ أن يعترش القلوب والعقول بالغناءِ وبغضِّ النظر عن عقيدتهِ وأيدولوجيتهِ بل وأخلاقهِ لأن الأغنية الجميلة وحدها كافية لتقديم بطاقة تعريف مثالية عن مطربها لأنها تدخلُ إلى العاطفةِ مباشرةً دون حاجتها للحصول على إذنٍ من العقلِ وبمجرد أن

تصل إلى القلبِ تُضيفُ على المطربِ هالةً من القداسةِ والنزاهةِ تؤهلهُ لأن يكون فارس أحلام الفتيات وقدوة الشباب وحديث المجالس ...

وعلى الرغم من فضائحية الوسط الفني فهوَ يبقى وسطاً ملائكياً في عالمٍ يحتضرُ عاطفياً وأخلاقياً ولأنهُ الوسط الذي تلتف حوله كافة الشرائط والطبقات والفئات وتلتقي تحت مظلته كافة الأجناس والقوميات ...

فحينما تدقُّ طبول الحرب يبدأ الجميع في القتل ..

ولكن حينما تدقُّ طبول الحب يبدأ الجميع في الرقص .. والحرب والحب هما الوتران اللذان تُعزفُ عليها الأغنية .... ويحتضرُ عليهما العالم .. ووراء كل أغنيةٍ مبكية ..

ولو عاد هتلر اليوم من قبره لتحول من قائدٍ تهتز الأرض تحت أقدامهِ إلى مطربٍ تهتز القلوب تحت أنغامه ..

ليس لأن أطماعه لاحتلال العالم قدِ انتهت ... بل لأني سأبعثُ إليهِ ببرقيةٍ ليس فيها غير سطرٍ واحد ..

(( بجيشٍ جرارٍ تحكمُ دولة ... وبجيتارٍ واحد .. تحكمُ العالم ))


في الثلاثاء 13 مارس - آذار 2012 03:42:11 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=14489