قصة نشأة الأخوان المسلمين في اليمن( 2 - 3 )
مأرب برس
مأرب برس

على مدى ثلاثة أعداد نشرت صحيفة «النداء» الأسبوعية فصلاً من كتاب يصدر لاحقاً، للزميل سعيد ثابت سعيد الصحفي المعروف، بعنوان: «الحركة الإسلامية في اليمن. إشكاليات النشأة والمسار». وفيه يتناول الكاتب الينابيع والمسارب والمسارات التي مهدت لقيام تنظيم «الاخوان المسلمون» في اليمن مطلع الستينات من القرن الماضي، مسلطاً الضوء على أدوار عديدين من الشباب الإسلامي في فترة المد القومي العربي، وبخاصة الشاب عبدالمجيد الزنداني الذي انسحب من حركة القوميين العرب لأسباب متصلة، في أغلبها، بن ظرته للدين .

مأرب برس تعيد نشر تلك الحلقات الثلاث على ان تنشر كل أسبوع حلقة واحدة حيث تم نشر الأسبوع الماضي الحلقة الأولي .

ونحن هنا ننشر الحلقة الثانية .

انصبت محاولات الطلاب الإسلاميين المعروفين بمجموعة "الحياد بين الأحزاب" في اتجاه تكريس التميز والاستقلالية عن بقية التيارات والأحزاب السائدة التي نشطت نشاطاً كبيراً مطلع الستينات وأصبحت مصدر استقطاب للطلاب القادمين إلى مدارس ومعاهد وجامعات مصر. ولم يكن وارداً لدى مجموعة الحياد الكشف عن مشاعرهم المتعاطفة مع جماعة الإخوان المسلمين أو التبني العلني لأفكار

واجتهادات قيادات الجماعة، لكنهم في المقابل انهمكوا على مؤلفات الشهيد سيد قطب وشقيقه محمد قطب، ورسائل الشهيد حسن البنا، وكتابات الدكتور مصطفى السباعي، واعتبروها مصادر أيديولوجية لتحركهم الفكري والسياسي في الوسط الطلابي دون التصريح بها، لقسوة الأوضاع الأمنية ولتشديد القبضة الاستخباراتية على مناحي الحياة في مصر و كان الطلاب العرب أكثر الفئات تعرضا لمخاطرها .

تردد طلاب "الحياد" في التسمية، وترددوا كثيرا في اختيار اسم محدد ليُعرفوا به حتى لا يقعوا في حفرة الحزبية التي يطالبون زملاءهم بتجنبها، واكتفوا باسم "الحياد" كما لو أنهم كتلة طلابية يجمعهم رابط النفور من الرابطة الحزبية التي وسمت تجمعات الطلاب اليمنيين وافترقوا بسببها وتصارعوا تعصباً لها. بيد أن بقية الطلاب المنتظمين في الأطر الحزبية القومية واليسارية كانوا يستنكرون إصرارهم على التحرك تحت لافتة الحياد، ويتساءلون: ما الفرق بينكم كمجموعة حياد، وبيننا كمجموعة أحزاب؟! ألستم حزباً ولكن باسم مجموعة الحياد بين الأحزاب؟‍ !

  وتكررت الأسئلة المستنكرة من زملاء الدراسة، وأصبحت تشكل مصدر قلق ومضايقة، سيما عندما بدأت مجموعة الحياد تسعى لتشارك في فعاليات وأنشطة الرابطة الطلابية الموحدة في مصر مطلع الستينات، الأمر الذي دفع عبدالمجيد الزنداني وإخوانه الرواد إلى أن يجتهدون في التفكير لتكوين نواة منظمة وصلبة لتصبح الأساس لحركة طلابية إسلامية فاعلة .

 ***

  2 -
النواة، الكتلة، والتنظيم

 -
التقت نخبة من طلاب "كتلة العمل الطلابي"، من بينهم: عبدالمجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي، وعبد اللطيف الشيباني، وآخرون، في منزل أحمد الويسي مطلع عام 1962 وحضر الشهيد الزبيري اللقاء، وفاتحوه بأمرهم وعرضوا عليه قيادة نشاطهم .

 -
كان الطلاب الستة الذين التقوا في الشقة السكنية في حي "الهرم" في مصر، يدركون جيداً أنهم بصدد إخراج فكرة تأسيس النواة الحركية إلى حيز الواقع الطلابي، فقد أعدوا لأنفسهم "قسم العمل" وتعاهدوا على الالتزام بنصه .

 -
لجأ الطلاب المؤمنون بفكرة الحياد إلى الزبيري يتلقون منه النصائح والتوجيهات، وأصبح مرشدا وموجها وراعيا لهم. ولا يعني ذلك أن بقية الطلاب من غيرهم لم يكونوا على وفاق واتفاق معه؛ غير أن الشيوعيين خاصة، قد جاهروا بمعاداته، واعتزلوه، ونشروا الإشاعات حوله، انسجاماً مع الحملة الصحفية التي شنها عبدالله باذيب، أحد أبرز مؤسسي التيار الماركسي في اليمن .

  البحث عن مرجعية قيادية فكرية

كان من أهم العوائق التي تؤخر عملية نقل الفكرة المجردة إلى واقع تنظيمي، غياب المرجعية القيادية التي تحظى بالانقياد والالتزام والطاعة، إذْ أن معظم هؤلاء الطلاب المتحمسين كانوا أنداداً، وليس بينهم تفاوت كبير في السن، وإنْ كان عبد المجيد الزنداني قد برز منذ منتصف الخمسينات بالنشاط الكشفي والحضور في معظم الفعاليات الطلابية، وكان له دور في سلخ أعداد من زملائه الطلاب من جسد حركة القوميين العرب، وأسهم في تعبئتهم للابتعاد عنها بناء على خلافات ذات طبيعية أيديولوجية أكثر منها سياسية. لذلك تلفت الطلاب يميناً وشمالاً لعلهم يجدون القائد الذي يحظى بإجماعهم ويتحلى بمزايا كاريزمية (زعامية) فإذا بهم أمام رمز وطني ذي ثقل كبير في الساحتين اليمنية والعربية وخاصة المصرية، وكان هذا الرمز قد بدأ يبوح عما يختلج في مكنونات نفسه من معاناة قاسية يتعرض لها من أولئك الطلاب الذين جاهروا بعدائهم له ولنهجه السياسي والفكري، وآثروا أحزابهم الجديدة على رموزهم الوطنية. كان ذلك الرمز هو محمد محمود الزبيري، رئيس الاتحاد اليمني، صاحب الرصيد النضالي في مضمار القضية اليمنية منذ ثلاثينيات القرن العشرين .

لم يكن الزبيري غريباً عن مدرسة الإخوان المسلمين، فالرجل ارتبط روحياً وفكرياً وعضوياً بها منذ لقائه الأول بالشهيد البنا، وظل يحتفظ بمشاعر ود وتقدير وإكبار لرموزها وقادتها، إذ أنها الهيئة الوطنية العربية الوحيدة التي اهتمت بالقضية اليمنية وأولتها مكانة متقدمة في جدول أعمالها السياسية والفكرية من خلال مركز الاتصال، وبواسطة وسائلها الإعلامية المطبوعة، وتكاد تكون أخبار اليمن شمالاً وجنوبا حاضرة في معظم أعدادها. وعندما تشرد الزبيري في منافي الأرض باحثاً عن مأوى يلجأ إليه بعيداً عن مطاردة أذناب العهد الإمامي عقب فشل حركة 1948 الدستورية، ما وجد في أي قطر عربي استجابة لمطلبه كلاجئ سياسي، فهو في نظر الأنظمة العربية يومها رمز معاد لعروشها وكراسي حكمها المتواطئة مع الاستعمار القديم، وتقاذفت به أمواج البحار، ولفظته موانئ الأقطار، حتى ألقى به التشرد إلى أرض الهند ثم إلى دولة الباكستان التي كانت، يومئذ، في طور الإعلان عن ميلادها. وكان لوجود الشاعر الإسلامي والدبلوماسي السوري والمفكر الإخواني عمر بهاء الدين الأميري - رحمه الله- كسفير لبلاده في إسلام أباد، أثر كبير في تسوية أوضاع الزبيري، وإقناع الحكومة الباكستانية بتأمين مأوى له، وتوفير الحد الأدنى من وسائل المعيشة، ونشأت علاقة أخوية متميزة بينهما، وجمعتهما اهتمامات الأدب والشعر والفكر الإسلامي والطموح لإحداث تغيير جذري في حياة العرب بعد نكبة فلسطين. كما أن ثمة جوامع مشتركة لعل من بينها الخلفية الفكرية الإخوانية لكلا الرجلين. ولما قامت ثورة يوليو 1952 في مصر سارعت جماعة الإخوان المسلمين للتوسط بشأنه لدى قادة "تنظيم الضباط الأحرار" الذين كان معظمهم مرتبطا تنظيمياً بالجماعة .

  يروي المؤرخ علي محمد عبده في كتابه "لمحات من حركة الأحرار اليمنيين" بقوله: "بعد تأسيس الاتحاد اليمني بأحد عشر يوماً قامت ثورة 23 يوليو 1952 وقضت على النظام الملكي وأقامت النظام الجمهوري، وتسلم رجالها السلطة، وكان كثير منهم على علاقة حسنة بحركة الإخوان المسلمين أو متعاطفين معها، فعمل الإخوان المسلمون لدى رجال الثورة على رفع الحظر المفروض على الفضيل الورتلاني من دخول مصر والذي فرضه النظام الملكي المصري عليه عقب فشل ثورة 1948 الدستورية في اليمن. وما إن وصل الفضيل الورتلاني إلى القاهرة حتى سعى مع قادة الإخوان المسلمين لدى رجال الثورة المصرية إلى رفع الحظر المفروض أيضاً على زميله الأستاذ محمد محمود الزبيري من دخول مصر لنفس الأسباب ".

هكذا كان الزبيري رمزاً وطنياً عملاقاً نذر روحه لخدمة دينه ووطنه. غير أنه مع تصاعد موضة الانتماءات الحزبية القومية واليسارية في أوساط الشباب منذ النصف الثاني من الخمسينيات، وما أحدثته حركة انقلاب مجموعة من العسكريين بقيادة الشهيد أحمد الثلايا في آذار(مارس) 1955 من ملابسات واختلافات، وارتفاع أصوات ماركسية تنتقد الزبيري والنعمان وحركة الأحرار وتشكيلاتهما المختلفة (الاتحاد اليمني)، وترى في خطه ونهجه السياسي موضة قديمة بالية عفا عليها الزمن، ومن مخلفات الماضي، إلى غير ذلك من الاتهامات والشبهات .

آلم الزبيري عقوق كثيرين من أبنائه الطلاب لحركتهم الوطنية الأصيلة. وراح ينشد من يتوسم فيه الالتزام الإسلامي والإيمان بالغيب ليكون الامتداد الطبيعي والتجديدي لحركته وخطه السياسي المتجاوز دوائر الجدل الفلسفي والتنظيري، البعيد عن الواقع اليمني بتعقيداته ومشاكله الخاصة والفريدة إلى حد بعيد عن مثيلاته في بقية الأقطار العربية .

لم يكن مستغرباً، إذن، أن يرتبط به طلاب "مجموعة الحياد" فكرياً وروحياً وتنظيمياً إذا جاز هذا التعبير في حدوده المبسطة. بمعنى: انحصار الرابط التنظيمي في دائرة التناصح وإسداء التوجيهات بحكم خبرته وتجربته الغنية والمتنوعة .

وجد الزبيري بغيته في هؤلاء الطلاب الإسلاميين ورأى فيهم المستقبل الأبهى لوطن ظل يحلم برؤيته متجسداً على هذه الأرض. ليس ذلك فحسب؛ بل إن فكرة تكوين مجموعة الحياد ترجمة عملية لما كان يؤمن به الشهيد الزبيري إزاء تفكك جبهة الطلاب وانقسامها وتشرذمها نتيجة الصراعات الحزبية والاستقطابات الإقليمية التي نشبت في أوساطهم انعكاساً لانقسام الدول العربية بين معسكري عبد الناصر وعبد الكريم قاسم نهاية الخمسينات، ثم بين معسكري ناصر والملك فيصل طوال عقد الستينات .

بكلمة كانت عملية تكتيل مجموعة طلاب يمنيين (على رأسهم عبد المجيد الزنداني) هي تجسيد للفكرة التي آمن بها الزبيري كمخرج سليم للفتنة الطلابية التي أطلت بقرنها عليهم جراء التنازع والتخاصم الحزبي؛ "فلقد دأب على ضم طلاب العلم القادمين من اليمن إلى لوائه. وكان ينزعج من تعدد الثقافة لأنه يريد ضرب الجهل والطغيان في بلاده بعصا غليظة واحدة ويد قوية واحدة. وكان يكره من ينجر منهم إلى الشيوعية أو الإلحاد أو البعثية، وكان يقول: هذه الاتجاهات لا يقبلها الشعب اليمني إنه لا يقبل إلا فكرة الإسلام والعروبة في الإسلام ".

لجأ الطلاب المؤمنون بفكرة الحياد إلى الزبيري يتلقون منه النصائح والتوجيهات، وأصبح مرشدا وموجها وراعيا لهم. ولا يعني ذلك أن بقية الطلاب من غيرهم لم يكونوا على وفاق واتفاق معه؛ غير أن الشيوعيين خاصة، قد جاهروا بمعاداته، واعتزلوه، ونشروا الإشاعات حوله، انسجاماً مع الحملة الصحفية التي شنها عبدالله باذيب، أحد أبرز مؤسسي التيار الماركسي في اليمن، في صحيفة "الطليعة" بمدينة تعز عامي 1959م - 1960م .

توطدت العلاقة الروحية بين شباب مجموعة الحياد وبين الشهيد محمد محمود الزبيري. وامتد نشاط المجموعة في أوساط الطلاب، سيما الطلاب اليمنيين الدارسين في الأزهر الذين كان لديهم سكن طلابي خاص بهم في مدينة البعوث الإسلامية .

في هذه الأثناء برز الشهيد عبده محمد المخلافي كناشط إسلامي فاعل ومؤثر بين أقرانه وزملائه في المدينة السكنية. وتوالت اللقاءات بين الطلاب الإسلاميين في جامعة القاهرة ومعاهدها من جهة، وبين الطلاب الإسلاميين في مدينة البعوث التابعة لمعاهد وجامعة الأزهر. وكانت النقطة التي يلتقون عندها هي إجماعهم على الشهيد الزبيري وروحيته الوطنية، وشخصيته المبهرة، وفكره الإسلامي المتحرر من إسار التخلف أو الارتهان. كانوا يلتقون به، ويتحاورون حول قضايا اليمن وهمومها، والدور الإسلامي في معالجتها، ويعرضون عليه مشاكلهم مع بقية الطلاب ذوي الانتماءات السياسية والفكرية المخالفة، ويفند لهم الاتهامات والشبهات التي يتعرضون لها في ظل حملة مركزة تستهدف أي حضور أو وجود للحركة الإسلامية في مصر. وكان الزبيري - بحسب شهادة طلاب المجموعة- يشجعهم ولا يبخل بتقديم كل مساعدة أو نصيحة تصب في خدمة توجههم الإسلامي .

لم تتوقف أسئلة الطلاب اليمنيين وخاصة الملتزمين حزبياً منهم حول طبيعة هوية "مجموعة الحياد"، ومبررات وجودها في أوساطهم. وأصبحت هذه الأسئلة -كما قلنا في موضع آخر- تشكل ضغطاً قوياً متزايداً بمرور الأيام على رموز المجموعة، وخاصة مع حلول الموعد الانتخابي للجنة التنفيذية الطلابية في التاسع عشر من أيلول (سبتمبر) 1961 عندما قرر أفراد المجموعة المشاركة فيها لأول مرة تحت واجهة "مجموعة الحياد بين الأحزاب" بواسطة عدد من ممثلي المجموعة، وتعد من أهم الدورات الانتخابية الطلابية اليمنية خلال تلك المرحلة، من ناحية أنها نقلت الحركة الطلابية في القاهرة نقلة نوعية بتأسيس رابطة طلبة اليمن الطبيعية. وشارك الطلاب اليساريون والقوميون بكثافة لما يتمتعون به من حضور واسع بسبب ظروف تلك المرحلة التاريخية المفعمة بالشعارات والصراعات و الاستقطابات بين التيارين القومي والماركسي في معظم الأقطار العربية، وانفرادهما بتحريك الشارع العربي في ظل تواري الإسلاميين عن الساحة مرغمين نتيجة انتشار ظاهرة القمع والمطاردة، وحملات التشويه الإعلامي والسياسي ضدهم، ليس في مصر فحسب، إنما في ساحات عربية أخرى كانت تعيش حالة تماه مع الزعامة العربية الجديدة في القاهرة: صانعة الانتصارات على العدوان الثلاثي، ومحققة أحلام الأمة في الوحدة بين سوريا ومصر، وداعية التحرر العربي من الاستعمار في شمال أفريقيا .

  الانخراط المبكر في العمل الديمقراطي

  شارك الطلاب الإسلاميون اليمنيون، في ظل تلك الأجواء الملبدة والخانقة لأي صوت إسلامي حركي، في أول انتخابات طلابية توطئة لتأسيس رابطة طلاب اليمن الطبيعية، وهم يدركون محدودية وجودهم وضعف بنائهم التنظيمي، إذ أنهم في ذات الفترة هذه بدأوا العمل على تأسيس النواة الحركية الإسلامية من داخل مجموعة الحياد، وباشروا عملية الاستقطاب والتكوين والإعداد، من خلال مناشط حركية بسيطة وساذجة بالنسبة لطلاب لا يمتلكون رصيداً وافراً من الخبرة التنظيمية الحزبية، ولا يستطيعون مراكمتها، أو الاستعانة بعناصر إسلامية حركية من ذات القطر، لأن هؤلاء كانوا يعيشون مرحلة ابتلاءات، ومحن السجن والمطاردة والقمع والإعدام. وأزعم أن مشاركة الطلاب الإسلاميين تحت واجهة "مجموعة الحياد بين الأحزاب" في الانتخابات الطلابية المؤسسة لأول رابطة طلابية لليمن الموحد يعد مؤشراً مبكراً لطبيعة تفكير النخبة الأولى لمرحلة ما قبل تأسيس الحركة الإسلامية اليمنية تجاه موقفهم من مناهج التغيير السياسي والاجتماعي، وإيمانهم بأهمية الانغماس في الحياة العامة بكل مرافقها وتجلياتها، وعدم الانعزال أو التقوقع في دائرة الذات شعوراً بالتطهر السلبي والمفاصلة المادية. وعلى الرغم من وضعهم الهش، آنذاك، وعدم استكمالهم لعملية تأسيس وتكوين النواة الصلبة الأولى للحركة الإسلامية اليمنية ومعرفتهم المسبقة بطبيعة منافسيهم وحجمهم وإمكاناتهم وقدراتهم التنظيمية، ورعاية أجهزة عربية رسمية وحزبية لهم، وتمتعهم بوجاهات وعلاقات واسعة مع تنظيماتهم المناظرة في مصر وسويا والسودان والعراق ولبنان؛ على الرغم من ذلك كله، فإنهم خاضوا الانتخابات الطلابية .

صحيح أن ذلك لم يكن انتصاراً للمجموعة الطلابية الإسلامية بمقاييس تلك الفترة، إذ حقق البعثيون والماركسيون والقوميون العرب من الطلاب اليمنيين تمثيلاً كبيراً مقارنة بهم، وهي نتيجة طبيعية للملابسات التي استعرضنا بعضاً من ملامحها؛ بيد أنه يمكن اعتباره انتصاراً لهم من ناحية نجاحهم النسبي في إثبات وجودهم كقوة طلابية مقابلة للتيارات الحزبية الناشطة، وإعلان حضورهم في الساحة الطلابية كمجموعة متميزة لها نهج وخط مغاير تماماً لما هو سائد ومشهور بين الطلاب اليمنيين .

تعززت قناعة النخبة الأولى المؤسسة لمرحلة ميلاد الفكرة الإسلامية الحركية بأهمية تسريع إيجاد النواة الحركية من خلال انتقاء العناصر الطلابية الصلبة القادرة على حمل رسالة بناء حركة إسلامية شاملة لها امتدادات في كل الفئات الشعبية وعلى كامل التراب اليمني، شمالاً وجنوبا تحقق، من خلالها عبوديتها لله في مناحي الحياة بالتبشير بأصالة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، وقدرته المطلقة على معالجة أمراض المجتمع، وانتشال أفراده من وهدة التخلف والانحطاط، وتجاوز حالة الانبهار المرضي للحضارة الغربية الاستعمارية إلى مرحلة التعامل النقدي الواعي لها، والاستفادة من إيجابياتها، ومحاربة سلبياتها .

كانت الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 1961 حافلة بالتحركات والمشاورات واللقاءات والاجتماعات بين أقطاب المجموعة الطلابية الإسلامية الأولى (مجموعة الحياد بين الأحزاب) لتأسيس كتلة إسلامية حركية طلابية من بين مجموعة الحياد. وتكاملت إرادة عبده محمد المخلافي وعبدالمجيد الزنداني باعتبارهما أبرز عناصر المجموعة. ولوضوح فكرة التأسيس في ذهنيهما، عملا على بلورة الهدف المتمثل بتكوين النواة المؤسّسة الصلبة (الكتلة الطلابية)؛ إذ كانت الفكرة قد راودت ذهن عبد المجيد الزنداني منذ مطلع الستينات وحاول كسب عدد من إخوانه ممن بدأوا العمل باسم مجموعة الحياد، سيما أولئك الذين انتزعهم من فك حركة القوميين العرب، ومن أبرزهم: عبدالسلام العنسي، وأحمد الويسي، وعبد الرحمن المؤيد، ومحمد قاسم عون، وعبدالرحمن المجاهد، وعبد اللطيف الشيباني، وطه الشيباني، وعبدالواحد الزنداني، وعبد الواحد سعد الخياط، وأحمد شجاع الدين. غير أن هذه المجموعة ظلت تراوح مكانها، ولم تصل إلى مستوى أن تصبح النواة الحركية الإسلامية المنظمة إلى ما بعد الانتخابات الطلابية في الثلث الأخير من عام 1961 وتلاقي إرادة الطلاب الإسلاميين في مدينة البعوث بالأزهر على رأسهم عبده محمد المخلافي، مع إرادة طلاب جامعة القاهرة وعين شمس وطلاب المعاهد المتوسطة المصرية. وتشكلت قيادة النواة الطلابية الإسلامية(الكتلة) أواخر كانون أول (ديسمبر) 1961م من ستة طلاب، أبرزهم: عبده محمد المخلافي، وعبدالمجيد الزنداني .

  هذه المجموعة التقت في إحدى الشقق السكنية في حي "الهرم"، في ظل أجواء سرية وتعاهد أفرادها على العمل لتكوين تنظيم إسلامي يمني فاعل يؤدي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبشر بعدالة الإسلام وأهليته الكاملة لقيادة الأمة وتحقيق التقدم والعزة والحرية والوحدة لليمن شمالاً وجنوباً .

  لم تستطع هذه النخبة المختارة أن تتفق على تسمية لها، أو تقوم بوضع نظام داخلي يحدد مهام واختصاصات عناصرها. واكتفت بأن تكون بمثابة قيادة جماعية للنشاط الطلابي الإسلامي المتمثل بمجموعة الحياد، وإنْ كان للزنداني والمخلافي الحضور البارز، والصوت الأعلى فيها. ثم راحت تكسب للنواة أو التنظيم الإسلامي في طوره الطفولي (الكتلة) عدداً من الطلاب الذين كان لهم دور بارز في بلورة الفكرة وتسريع عملية انتقالها إلى واقع حركي في إطار تكتل بسيط .

وكان الطلاب الستة الذين التقوا في الشقة السكنية في حي "الهرم" في مصر، يدركون جيداً أنهم بصدد إخراج فكرة تأسيس النواة الحركية إلى حيز الواقع الطلابي، فقد أعدوا لأنفسهم "قسم العمل" وتعاهدوا على الالتزام بنصه .

بيد أننا من خلال إمعان القراءة في نص القسم نكتشف أن النخبة الأولى لم تصل بعد إلى مرحلة تكوين التنظيم الحركي الإسلامي بمفهومه العلمي.، فليس ثمة قضايا محددة يلتزم بها أصحاب القسم عدا العمل للإسلام وبذل المال والدم في سبيله، وهي قضايا عامة، ولم يرد ذكر اسم التنظيم أو توزيع المهام والاختصاصات فيما بينهم. وعلى الرغم من أن المحامي عبد اللطيف الشيباني يشير إلى أنهم اختاروا عبدالمجيد الزنداني ليرأس لقاءاتهم فإنهم لم يكوّنوا هيئات أو لجاناً تسهم في بلورة التنظيم المنشود، وظلوا يتحركون في الساحة الطلابية بمصر وفق ما توصلوا إليه من آلية كانت بمثابة مرحلة انتقالية طبيعية إلى تشكيل الحركة الإسلامية بمفهومها المبسط والأقرب إلى ما هو سائد للتنظيمات الحركية أثناء تطورها نحو النضج التنظيمي المتمثل بإيجاد هياكل ونظم وقوانين ومؤسسات وخطط عمل واستراتيجيات، إلى غير ذلك .

لقد جرى جدل ونقاش بين هؤلاء الطلاب حول التسمية المقترحة للتنظيم الوليد. كان من ضمن الأسماء "الإخوان المسلمين". لكن المقترح رُفض سداً لباب فناء التنظيم ذاته (قبل ميلاده) على يد الأجهزة الاستخباراتية المصرية التي كانت تعادي الإخوان المسلمين وكل من يرتبط بهم أو يتبنى أيديولوجيتهم معاداة شديدة. وحرصاً على مستقبلهم العلمي، واستفادتهم من تجربة الطلاب اليمنيين الماركسيين الذين جرى ترحيلهم عن مصر، قبل استكمال دراستهم في أيار(مايو) 1959، أوصلتهم لقاءاتهم و نقاشاتهم حول التسمية إلى الاتفاق على إبقاء الاسم كما هو"كتلة العمل الطلابي اليمني" دون الإعلان عنه أو التعريف به بين جميع الطلاب .

  وتكشف حالة الجدل والتردد والحذر التي سادت نقاشات النخبة الأولى لبحث التسمية، واقع الحال في المجتمع الطلابي العربي في مصر، وسيطرة الهاجس الأمني على تفكيرهم، وشل أي إبداع لإنجاز مشروع عمل حركي منظم يقوم بدور في تسريع وتيرة النهضة والصحوة للأمة، سيما أن المعنيين هنا هم الطلاب الذين سيصبحون فيما بعد رموزاً اجتماعية وسياسية وفكرية في بلدانهم، بمعنى أنهم سيكونون قادة ومفكرين وعلماء وسياسيين في أقطارهم ومن بينها اليمن التي ستشهد حركة استقلال وتحرر من الاستعمار في العقد ذاته الذي كانوا يزمعون إنشاء منظمات وأحزاب سواء كانت إسلامية أم قومية أم يسارية. إذ أن التيار القومي (البعث، الناصريين..) والتيار اليساري (الماركسيين) لم يتوصلوا إلى تأسيس أو بناء أحزاب كاملة الهياكل والأطر إلا في ستينيات القرن العشرين؛ فالبعثيون سعوا لتأسيس إطار لتكتيل عناصرهم عام 1956م بمدينة عدن لكنهم لم يصلوا إلى مرحلة بناء حزب البعث العربي الاشتراكي إلا مطلع الستينات عندما أوفدت القيادة القومية في دمشق المحامي صالح الحبشي ليقيم هياكل الحزب نتيجة تفاوت الوضع التنظيمي بين شمال اليمن وجنوبه ففي الشطر الأول بدأ التأسيس كشعبة نهاية 1958م ولم يصل إلى الطور التنظيمي (قُطْر) إلا أواخر الستينات .

كذلك الحال بالنسبة للماركسيين الذين أسسوا حزبهم في تشرين الأول (أكتوبر) 1961 باسم "اتحاد الشعب الديمقراطي" بمدينة عدن، لكنهم لم يكملوا البناء التنظيمي إلا بداية النصف الثاني من الستينيات عندما تكونت نواة حزبية في شمال اليمن بالاسم نفسه (اتحاد الشعب الديمقراطي) نهاية النصف الأول من الستينات. أما الناصريون فإنهم لم ينظّموا أنفسهم في إطار حزبي إلا في النصف الثاني من الستينات، وبعد أن كوّن رجالات الاتحاد الاشتراكي (التنظيم السياسي لنظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر) بواسطة استقطاب عدد من الطلاب اليمنيين رابطة طلابية ناصرية ترتبط بعدد من الشخصيات المصرية كان على رأسها كمال رفعت، وفتحي الديب .

كذلك فإن الإسلاميين لم يكونوا خارج سياق ميلاد الحركة التنظيمية الحزبية اليمنية برغم أن اليمن، شمالاً وجنوباً، عرفت رجالاً ارتبطوا فكرياً بمدرسة الإخوان المسلمين منذ وقت مبكر، ولعل عمر سالم طرموم كان من هؤلاء الذين أتاحت لهم مدينة عدن ثم هجرته إلى الحبشة، فرصة متابعة الأحداث ومطالعة المؤلفات والصحف والمجلات السارية في حقبة ما قبل الستينات. وهو تعرف إلى فكر مدرسة الإخوان المسلمين وتواصل مع الشهيد حسن البنا بواسطة الرسائل- بحسب إفادة مقربين منه؛ لكنه لم يتجاوز هذه الخطوة إلى مربع تكوين حركة إسلامية إلا لاحقاً، عند اكتمال الشروط وتوافر الظروف المواتية لإيجاد حركة أو حزب أو تنظيم معين .

ثمة كثيرون من الناس يعتقدون أن عملية خلق أو تأسيس تنظيم أو حزب أو حركة أو جماعة تحمل عقيدة أو أيديولوجية حضارية تجيب على مجمل مشكلات الواقع من السهولة بحيث يستطيع أفراد معدودون الإضطلاع بها .


في الأحد 29 إبريل-نيسان 2007 06:56:48 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=1647