رؤوس ثعابين ورمال متحركة
د. محمد جميح
د. محمد جميح

قلت للسفير الأميركي في صنعاء جوناثان فايرستاين في حوار معه: يقال إنك الرئيس الفعلي لليمن، رد ضاحكا: «لا أعتقد أنني سأحب وظيفة كهذه». تذكرت حينها الرئيس هادي الذي لا بد أنه يدرك صعوبة أن تحكم بلدا بحجم ومشكلات «العربية السعيدة». معظم اليمنيين يخوضون في السياسة، وكل يمني تقريبا دولة مستقلة ذات سيادة، والمواطن العادي صورة من الحاكم، يحاول أن يقلد حركاته وسكناته وأفعاله. تذكرت بيتا من الشعر يقول:

وأتعس الناس في الدنيا وأنكدهم

من يمتطي الليث أو من يحكم اليمنا

يبدو أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح كان يحفظ البيت السابق، وهو يردد أن حكم اليمن أشبه بـ«الرقص على رؤوس الثعابين»، وهي العبارة التي أخذتها فيكتوريا كلارك وعنونت بها كتابها المخيف عن اليمن والصعوبات التي يواجهها بلد يجف من الماء والنفط كما تجف أحاسيس القائمين عليه من الحس والشعور.

كلارك تقول إن البلد منهك، عاصمته تعاني من الجفاف وحوضها معرض للتصحر خلال سنوات، ونفطه معرض للنفاد خلال مدة مشابهة. يغوص يوما بعد يوم في الاختلالات الأمنية، وأعمال الخطف وتفجير أنابيب النفط ناهيك عن أنصار «القاعدة» والحوثيين. وكلارك تورد حقائق مدعومة بتقارير دولية عن الكارثة التي لا يشعر اليمنيون بدنوها في خضم معاركهم السياسية التي تفضي إلى مزيد من الكوارث. وكلارك كتبت كتابها قبل أحداث «الربيع اليمني» بعامين، فكيف لو أن كتابها تأخر مدة سنتين!

واليونيسيف تقول إن ربع مليون من أطفال اليمن يعانون من مجاعة حادة، ونصف السكان تحت خط الفقر، وتقارير أمنية تتحدث عما يزيد على ستين مليون قطعة سلاح في بلد يعج بالخلافات القبلية والسياسية والمذهبية، وأسواق السلاح بالطبع تعج بأنواع الأسلحة ما عدا الطائرات والدبابات. ولا يعادل مرتادي أسواق السلاح إلا من يرتاد أسواق القات، وفي ساعات القيلولة يروق لليمنيين أن يمضغوا وريقات الشجرة الخضراء ويتغنوا بـ«الإيمان يمان والحكمة يمانية». في الماضي حكم الأئمة الزيديون، وكانت فترة حكمهم حروبا متواصلة على السلطة تحت مسميات دينية زائفة، قتل فيها الأخ أخاه والعم ابن أخيه وتآمر الأبناء ضد آبائهم، وكل منهم يدعي أنه ظل الله على أرضه، وأن الإمامة والحكم حق محصور فيه وفي ذريته، وبعد ألف عام تقريبا خرج اليمنيون إلى حكم جمهوري غير مستقر، وكما تقاتل الأئمة تحت غطاء ديني، تقاتل الجمهوريون باسم الشرعية السبتمبرية في الشمال والأكتوبرية في الجنوب. وتفجرت حروب بين الشماليين والشماليين، وبين الجنوبيين والجنوبيين، وبين الشمال والجنوب، وكانت حروب الشطرين لا تكاد تهدأ حتى تتفجر حروب «الرفاق» في عدن أو «الإخوة» في صنعاء. في الشمال تقاتلت القبائل الجمهورية والقبائل الملكية، وفي الجنوب تقاتلت القبائل اللينينية والقبائل الماوية بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر، حتى تكاد لا تمر عشر سنوات غالبا من دون حرب.

وجاءت ثورة الشباب، واستبشر الناس بها خيرا، وتطورت الأحداث إلى أن انفجر الوضع عسكريا، وصرنا نبحث عن مخرج جاء في المبادرة الخليجية، قبلها الرئيس السابق ومعارضوه، ورفضها الحراك لأنها لم تأت على ذكر قضيته، والحوثيون لأنها لم توافق هوى طهران التي تريد أن تفشل الرياض في صنعاء، وبعض فصائل الشباب لأنها لم تبعد النظام السابق عن الحكم بكليته، وهكذا خرجنا من المبادرة بنصف كوب مليء والآخر فارغ، ولكل يمني الحق في أن ينتمي إلى نصف الكوب الذي يلائمه.

كل الذين زاروا اليمن من عرب وغيرهم، خرجوا بذكريات جميلة عن البلاد التي خرج منها العرب والشعر وقوافل البخور. عرب وعجم استقروا في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت، وآخرون ألفوا كتبا تنم عن انبهار بالبلد الذي جاءوا إليه، وعندما حلق أندريه مالرو، الأديب والسياسي الفرنسي الشهير، فوق سماء مأرب عام 1934، بحثا عن «مملكة سبأ المفقودة»، لم يتمالك نفسه بعد أن رأى بقايا المملكة العظيمة، ونسي أن طائرته تهوي إلى الأرض بعد أن نفد الوقود، لم يكترث لموته المحقق، وكاد ينسى نفسه في غمرة فرحته وهو يكتب بعد ذلك: «اكتشفنا مدينة سبأ الأسطورية. عشرون برجا وهيكلا لا تزال قائمة. على الحافة الشمالية للربع الخالي». ومع كل ذلك نرى البلد يهون على ساسته الذين لا يستحون من تاريخه المدهش، ورصيده الحضاري، وإمكاناته الطبيعية.

ترى ما هو السر في أننا ما زلنا هنا؟ في البقعة ذاتها التي خيل إلينا أننا غادرناها قبل خمسين عاما؟ لماذا فشل اليمنيون في إقامة دولة حديثة على الرغم من طول المدة التي مرت على تخلصهم من حكم إمام يروى أنه كان يدخل بعض معاونيه دار السينما ليزعم لهم فيما بعد أن ما رأوه هم جنود الإمام من الجن والإنس ومما لا يعلمون؟ لماذا لم ننتقل من «ثقافة الإمامة» إلى الثقافة المدنية أو من طور القبيلة إلى طور الدولة؟ هل كان علي عبد الله صالح هو السبب؟ أليس في حصر المشكلة بشخص مهما كان دوره تبسيطا لها؟ هل هو نظام الأئمة الثيوقراطي الذي تطاول ليله على اليمن، وجعله مشدودا لقرون من التخلف؟ هل هي القبيلة التي لا تريد أن تتحول إلى دولة، أم الدولة التي لا تريد أن تستوعب القبيلة؟ هل هو المجتمع الذي لا يزال محكوما بالقبيلة بمعانيها السالبة؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين مجتمع يقدس الشعارات وساسة يجيدون تسويقها؟ أم أنها السياسات الفاشلة القائمة على شخصنة المواقف، والتي لا تخلو من مكايدات وأحقاد؟

لم أعد أتذكر من الذي قال: المكائد السياسية من صفات الساسة الفاشلين، والساسة الذين تعصف ببلادهم خلافاتهم السياسية لا يمكن إلا أن يكونوا فاشلين، يفتقرون إلى الكاريزما التي توجد في قيادات عظيمة تخرج البلدان على يدها من ركام التخلف والفساد في فترات انتقالية قصيرة.

من المفارقات العجيبة أن الفرقاء السياسيين في اليمن لا يجتمعون إلا على الأشياء التي ينبغي أن يستحوا منها. الفرقاء في صنعاء يختلفون على كل شيء إلا على طرق الأبواب لطلب المساعدات من «الأشقاء والأصدقاء». تصوروا أن تكون مفخرة المفاخر لسياسيينا اليوم هو أن يصرح أحدهم بأنه قد نجح في إقناع جهة مانحة بتقديم دعم مالي للبلاد، في الوقت الذي يتحدثون فيه عن الكرامة الوطنية، والموارد الطبيعية، وغيرها من المصطلحات. بالطبع لا يمكننا أن نأخذ على أحد طلبه للمساعدات في هذه الظروف الصعبة، لكن أن تكون المَلَكة التي يجيدها ساسة البلاد اليوم تتلخص في طلب المعونات، دون اجتراح وسائل للاعتماد على الموارد المهدرة، فهذا أمر معيب. ومما يشترك فيه الساسة اليمنيون أنهم يتمادون في خلافاتهم، حتى إذا ما تعب الشقيق والصديق من خلافاتهم، وأرادا نفض اليد عن ملفاتهم، بدأ الساسة ذاتهم يتحدثون عن الشقيق الذي أدار ظهره لنا، والصديق الذي لا ينفع وقت الضيق.

محسن العيني رئيس وزراء اليمن الأسبق يتحدث عن تجربته السياسية بعنوان مشابه لمسألة رؤوس الثعابين، ويعنون كتابه بـ«خمسون عاما في الرمال المتحركة»، ويتحدث عن حروب لا تهدأ حتى تثور، ورمال تتحرك باستمرار في اتجاهات مختلفة.

لكي يخرج اليمنيون من ظرفهم الراهن فلا بد من خطوات جريئة لا تغير قواعد الرقص على رؤوس الثعابين وحسب، بل تتخلص من اللعبة برمتها، خطوات تسعى لتثبيت الرمال المتحركة التي التهمت الرجال والإمكانات لفترة طويلة في ركن من جزيرة العرب كان يدعى يوما «سعيدا». وأهله دعوا قديما: ربنا باعد بين أسفارنا.


في الإثنين 03 سبتمبر-أيلول 2012 06:11:18 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=17116