أنا يمني ولا أبالي
زيد علي باشا
زيد علي باشا

أنا يمني ولا أبالي. أنا ابن قحطان ولا أبالي. أنا أحمل موروث آلاف السنين ولا أبالي. أنا مهد العروبة ولا أبالي. أنا من يمن الإيمان والحكمة ولا أبالي.

إن ثمة أقواما نعرف وجودها في الحياة بتفكيرها وتفكرها. هي أقوام تفكر، فإذًا هي موجودة. وأخرى نعرفها بعلمها وعملها. هي أقوام تتعلم وتعمل، فإذًا هي موجودة. وأنا كذلك أردت أن يعرف الناس وجودي، فاخترت اللامبالاة عنواني، ولسان حالي يقول: "أنا لا أبالي، إذاً أنا يمني". أنا لا أبالي بشيء، ولا أكترث لصغير أو كبير. لا عرف لي ولا قانون ولا دين ولا مبدأ. أنا لا أفعل إلا ما يحلو لي، وقتما يحلو لي، حيثما يحلو لي. أنا يمني، ولا أبالي.

أنا يمني واسأل اللامبالاة عني. اسأل الحقوق المضيعة عني. اسأل الرئيس والوزير والمدير والقاضي ومن ناب عنهم عني. اسأل أساتذة الجامعات ودكاترتها وعمدائها عني. اسأل خريجي الثانوية العامة عني. اسأل من يبحثون عن لقمة أو منفعة في القمامة عني. اسأل عني الدماء المسفوحة، والأعراض المهتوكة، والأسر المنكوبة، والقلوب المفطورة، وطاقات الشباب المهدورة. اسأل عني السيارات المسروقة، والأراضي المنهوبة، والقصور المنصوبة، وثروات الأرض المحروقة، والخزائن المعمورة وأخرى مشفوطة.

أنا يمني واسأل اللامبالاة عني. اسأل بيوت الله المهملة عني. اسأل القمامة المحيطة بمنزلي ومكتبي ومسجدي ومدرستي عني. اسأل أوراق القات و"العلاقيات" وعلب السجائر وقشر الموز عني. اسأل بقايا الرز واللحم والخبز في المطاعم عني. اسأل المستشفى والمستوصف والعيادة وأماكن الانتظار والاحتضار عني. اسأل المرافق الحكومية عني. اسأل الحدائق العامة والأسواق وسيارات الأجرة عني. اسأل كل كرسي وطاولة وباب وجدار كتبت عليه الذكريات والشعارات والأمنيات عني.

أنا يمني واسأل اللامبالاة عني. اسأل صاحب "الدباب" الواقف في وسط الطريق عني. اسأل عني صاحب "البيجوت" العوراء عندما يدخل في خطي عند منحنى الطريق في الليلة الظلماء. اسأل عني صاحب "الهيلُكسْ" الذي يضحي بحياته، و حياة صاحبيه المعلقين خلفه، و حياة من لا شأن لهم، من أجل أن يصلنا القات كل يوم غضا طريا. واسأل صاحب "الشاص" و"الحبة" و"الصالون" و"البورش" إذا ما استطعت أن تلحق بهم عني. اسأل عاكس الخط والسائر فوق الرصيف عني. اسأل المطبات عني، واسأل البائع الذي وضعها فأبدع تشكيلها عني.

اسأل الرئيس وما من الظلم رفع، والوزير وما جمع، والسياسي ومن نفع، والقائد العسكري وما دفع، ومن باع شعبه وركع. اسأل الكاتب والأديب والمثقف والإعلامي إذا نافق أو كذب فلمّع، والمقاول والعامل والحرفي إذا قبض ما قبض فانقشع، والخطيب يوم الجمعة وما رقع، والمربي وما ضيع، والطبيب وما أوجع. بل واسأل القاضي ومن أبكى ، والعالم و من أشقى، و"الشيخ" و من أضنى.

ألا فاسأل الأعمى عما فعل بنا البصير، والصغير عما فعل بنا الكبير، والأحمق عما فعل بنا اللبيب، و المجنون عما فعل بنا العاقل، والأمي عما فعل بنا المتعلم، والسفيه عما فعل بنا الحليم، و الوضيع عما فعل بنا الشريف.

ألا فاسأل واسأل واسأل واسأل.. اسألها تجبك أيها المغرور والحشرجة في حلقها: "أنا مظاهر اللامبالاة، وأنت يمني". أنت لا تبالي أين ترمي قمامتك، وكأنّي بك تقول لها وأنت ترمي بها في قارعة الطريق: "اذهبي حيث شئتِ فرائحتك آتية إلي لا محالة". أنت لا تبالي أين توقف سيارتك، وكأني بك تقول: "جعلت الأرض لي موقفا". أنت لا تبالي بالمسؤوليات الملقاة على عاتقك، صغيرة كانت أو كبيرة. أنت أنت، و من ورائك الطوفان. أنت لا تبالي. أنت لا تبالي متى تستيقظ ومتى تنام، ومتى تعمل ومتى لا تعمل، وماذا تقول وماذا تسكت عنه، وماذا تأكل وماذا تلبس. أنت لا تبالي ماذا ولماذا وكم وكيف وأين. أنت لا تبالي بما كان وبما هو كائن وبما سيكون. ما عاد يردعك عيب أو ممنوع أو حرام أو ما لا يصح. أنت لا تبالي.

ثقافتك: "عتسبر"، "يا رجال"، "طوز"، "ايش أسوي"، "سهل، ما يضرش"، "هيا، جت عليَّ"، "خلينا نفتهن"، " خلي لي حالي"، "أحمر عين"، "سبحان الذي خلق الدعممه"، "ربك ما يقيد إلا وحوش"، "أنا أوري أبوك"، "وأنت ما عليك، مش حق أبوك" ، "مال أبوك"، "مال أمك"، "يسدوا"، "شوف شوف بالله عليك"، "أنت داري، احنا مش حق شي"، و "يا حمار" و "يا اخضع" و "يا اخبل" و "يا بن ال..."، و "ما أنا بيني وبينك، قدنا أشتي أهاجر".

اسألها تجبك أيها الجاهل والدمع المتلألئ في عينها يعكس آمالا وتطلعات شعب عريق: "أنت يمني ولا تبالي". اشتمْ والعنْ واصرخْ ولا تبالي. إذا غضبت فاقتل وإذا فرحت فدمّر ولا تبالي. اقلق الناس يوم فرحك وارعب صغارهم ولا تبالي. بل حيث شئت وابصق حيث شئت ولا تبالي. أنت يمني فارفع رأسك أو نكّسه ولا تبالي. عش يومك كأمسك وامضغ القات حتى تحجب "ضراجمك" نور الشمس أو يختفي ورائها القمر ولا تبالي. وإذا علا شأنك فينا يوما أو وكلناك أمرنا فكن عند ظننا بك ولا تبالي، وانفق من المال العام قبل الخاص في اللامبالاة ولا تبالي. سر في الأرض وانظر لكن لا تبالي.

علامَ المبالاة يا هذا؟ لا تبالي، "فها هنا تبعث الأجيال والأمم.. هنا العروبة في أبطالها وثبت.. هنا الإباء هنا العلياء هنا الشيم.. هنا الكواكب كانت في مقابرها.. واليوم تشرق للدنيا وتبتسم". علامَ المبالاة يا هذا؟ خذ قلمك واكتب ما شئت، لا تبالي. أنا يمني. وقد آليتُ على نفسي أن لا أبالي.


في الثلاثاء 26 فبراير-شباط 2013 07:06:20 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=19449