لعن الله المحلل والمحلل له

 خاص مأرب برس

رداً على مقال منير الماوري ( اليمن بعد علي عبد الله صالح هل نحن بحاجة إلى محلل شرعي )

 

من المؤكد أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه في بلدان العالم الثالث أمر ينذر بالتفجر وخاصة مع تنامي الحملة الشرسة التي تشنها الأنظمة الحاكمة ضد كل رأي يخالفها ، وبات ما يعرف بالغليان والهيجان الشعبي على وشك أن يخرج من صمته ويثور ضد الأوضاع المتردية التي وصلت إليها هذه البلدان ، واليمن ذلك البلد القابع في زوايا النسيان حيث يوجد التخلف والإستبداد وقد حباه الله بالثروات الهائلة ورغم ذلك يوجد نسبة كبيرة فيه من الفقراء والمعوزين ويشكلون السواد الأعظم من الشعب بينما البقية تعيش على مخامل حريرية تاركة البسطاء يفترشون الأرصفة والطرقات . 

يتميز هذا الشعب بالقدرة على تحمل الأذى وكثيرا ما نجد من يستغل ذلك التحمل إستغلالاً سيئا من أولئك المرتزقة الأوغاد الذين يعبثون بمقدراته وخيراته لذو اتهم وذويهم تاركين هذا الشعب للفقر والحاجة والاستجداء وبقدر إحتمال الشعب والصبر على الأذى بقدر ما يتمادى هؤلاء في غيهم وجبروتهم وتكبرهم للنيل من شرفه وكرامته .. تعاقب على حكمه عدة أنظمة سياسية بدءاً بالملكية وإنتهاءً بالنظام الشمولي المغطى بستار الديمقراطية المزيفة ولا ديمقراطية ولا هم يحزنون ، هذا النظام نظام الحكم الفرد الواحد الذي يستأثر بكل شيء وهو الكل في الكل ويحشر أنفه بكل صغيرة وكبيرة إبتداءً من تعيين المعيدين في الجامعات وإنتهاءً بتعيين الوزراء وإتخاذ القرارات الخطيرة ، لا يرى إلا بمنظاره ولا يسمع إلا بأذنيه يشكل للناس نمط حياتهم وعيشهم

وهو الذي يقرر ما يحتاجون إليه ومالا يحتاجون : ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " ، ونتيجة لهذه النظرة الأحادية الضيقة عاشت اليمن في تخلف وصراعات لم يستطع النظام الموجود الخروج منه حتى هذه اللحظة .. ورغم أن هذا الأخير لم يأتي عبر دبابة أو عبر إغتيال وإنما جاء عن طريق ذكاء ودهاء مختلط وأستطاع أن يقنع أعضاء مجلس الشورى أنذاك ( مجلس الشعب التأسيسي) بأنه قادر على إدارة دفة الحكم فتغلب على منافسيه ومسك زمام الأمور ، وبعد عام من تسلمه السلطة ونتيجة لعدم خبرته في الحكم وبسبب تطفله إلى دنيا الرئاسة وبعده عن أصالة الزعامة وعدم فهمه لما يدور حوله فضلا عن عدم إلمامه بأصول اللعبة بدأت التصريحات العنترية واستعراض العضلات ، فعندما وقع السادات إتفاقية كامب ديفيد ظهر صاحبنا بتصريح ينتقد فيه السادات لماذا خرج عن الحظيرة العربية ووقع سلام مع إسرائيل بشكل منفرد !! ليأتي الرد من السادات سريعا في لهجة قاسية لا تخلوا من تهكم وسخرية فقال السادات يرحمه الله ( تنقطع يدي لو يعرف الشاويش علي " ديفيد " ده راجل وإلا ست ) ..... 

وإن أنسى هنا فلن أنسى محاضرة في الجامعة لأحد الأساتذة الأجلاء ممن تتلمذت على أيديهم ليذكرنا في موقف من المواقف التي إستعصت ذاكرته على نسيانها وهو ما كان لهذا الموقف شأن في الأوضاع التي تمر بها البلد الآن ، شارك أستاذنا عام 76م في حفل أقيم بمحور لواء تعز بمناسبة إنعقاد المؤتمر الأول للمغتربين وكان علي عبد الله صالح آنذاك قائد لواء تعز ، وألقى أستاذنا في الإحتفال كلمة عن الطلاب المغتربين الدارسين في المملكة العربية السعودية وبعد إنتهاء الحفل رغب أستاذنا في زيارة والدته في مسقط رأسه ولم يجد حينها إلا أن يركب مع قائد لواء تعز وهو الأخ علي عبد الله صالح وكان يقود سيارته بسرعة جنونية غير عابئ بوعورة الطريق فقال له أستاذنا إنتبه ترجع تمسك البلاد وتطلع رئيس وتقود البلاد بهذه الطريقة وكان هذا الأمر الذي حصل ....

وكان صالح على وشك أن يسلم السلطة نتيجة للأوضاع المتفجرة التي كانت سائدة أنذاك وخاصة في المناطق الوسطى أيام ما كان يعرف بالجبهة التي كانت مدعومة من الخارج لكنه إستطاع بفضل تعاون مختلف القوى الوطنية التي كانت منتشرة على الساحة اليمنية من الإستمرار في الحكم ، بعد إن إتخذ سياسة فريدة من نوعها وغريبة بنفس الوقت تتمثل بترك موارد البلاد للمنتفعين من رجال القبائل الأقوياء الذين لا يستطيع مقارعتهم

ومنازلتهم فترك لهم الحبل على الغارب يعيثون في الأرض الفساد ، وكانت التعيينات للوزراء تتم من خلال طريقة بسيطة ، بأن يأتي شيخ ويقول له نريد فلان وزير ، وعلى الفور يتم التعيين ، ومن الإشاعات التي كانت تصدر وبعض الإشاعات ليست بإثم بأن وزيرا طلبه ذات مرة سيارة فقال له الرئيس لقد أعطيتك وزارة إفعل بها ما تشاء . إستمر الوضع على ما هو عليه إلى أن جاءت الوحدة اليمنية وما رافقها من تبعات ومنها حرب الإنفصال ، وانتصر الشعب لإرادته وثبتت الوحدة بدم الشهداء ، وانتظر الناس وضعا يتغير خصوصا بعد أن إنفرد صالح بالأمر وتمكن من إزاحة الشركاء ، لإخراج البلاد من أزمتها الإقتصادية والقضاء على كل مظاهر الفساد وخاصة مع تبني الدولة لبرنامج الإصلاح المالي والإداري بإشراف البنك الدولي لكن من أسف لم تكن توجد أية نية للإصلاح في البلد رغم الدعوات التي كانت تطلقها الشخصيات الوطنية من كل حدب وصوب ،

لكن على مما يبدو أن الآذان فيها وقر ، فالعقول هي هي لم تتغير ولن تتبدل ولم ولن يوجد أي نية للتغيير في البلد ، وبحسب بعض المحللين من أنه ما دام 27 سنة لم يتم فيها أي إصلاح فإن 100 سنة أخرى غير كافية كذلك والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ...

ورغم بريق السلطة وهوسها ورغم جنونها وفي حادثة غير مسبوقة وغير معهودة نفاجأ بالقرار الخطير والغير متوقع ، بإعلانه عدم ترشيح نفسه في الإنتخابات القادمة ، وخيرا فعل ليترك الوطن يصفي حساباته مع خصومه ، الأمر الذي قلب العديد من المعادلات السياسية ولخبط الكثير من الحسابات وخلط الكثير من الأوراق وشكل القرار صدمة للمطبلين والمأجورين الذين يرغبون باستمرار الوضع على ما هو عليه لأنهم سيفقدون الكثير من الإمتيازات التي كانوا يحصلون عليها مقابل أبواقهم ونعيقهم ..

وبدأ هؤلاء يدقون على وتر خطير وهو خوفهم على الوطن في المرحلة القادمة وبأنه الأقدر على قيادة البلاد وأنه حقق الكثير من المنجزات وحقق التنمية ..... وووو ... إلى آخر هذه القائمة التي لا تنتهي والصحيح هو خوفهم على مصالحهم ليس إلا ... ولا يمكن هنا أن ننكر أو نقلل من المنجزات التي تحققت في عهد فخامة الرئيس ولا

ينكرها إلا جاهل أو حاقد : فعلي عبد الله صالح لم يأتي إلى السلطة عبر دبابة ولكنه أوجد نظام بوليس مخابراتي أسكت الأصوات وأخرس الألسنة ، وعلي عبد الله صالح حقق الوحدة الوطنية لكن محاولته السيطرة على كل شيء والحكم بالطريقة القبلية العشوائية واستفراده بالأمر قادت إلى حرب الإنفصال ، وصحيح أن علي عبد الله صالح أوجد الديمقراطية والتعددية السياسية وحرية الصحافة لكنه أطلق كلابه لقمع أي صوت يعارض صوته وينادي بالإصلاح و ومحاسبة المفسدين ، صحيح أن علي عبد الله صالح أوجد مجلس نواب للشعب "برلمان" لكن سيطر عليه من خلال الحصول على الأغلبية عن طريق الرشوة والتهديد ليتسنى له تنفيذ قرار على المجلس بحيث يظل هو ممسكا بالخيط من خلف الستار بعيد عن تحمل أي مسؤولية ، صحيح أن علي عبد الله صالح أوجد تنمية في البلد لكن عين رجال ضمائرهم ميته وغير أكفاء مسؤولين عن هذه التنمية بحيث يتم عمل المشروع بأضعاف أضعاف تكلفته ، وأخيرا أوجد علي عبد الله صالح حكومة ووزراء لكن ترك لهم يمارسوا النهب المنظم لثروات البلد ولم يكلف نفسه عناء محاسبة أي مسؤول من هؤلاء من أين لك هذا ؟

لكن أضع تساؤلات بريئة بين يدي الرئيس : لماذا الإعلان عن قرار التنحية في هذا التوقيت ؟ وهل هو صادق في قراره ؟ أم هو لعبة سياسية كما عودنا على مثل هذه الألعاب والشطحات ؟ أم هو هروب بالمليارات التي أعلن عنها ليترك الوطن بعد ذلك يواجه مصيره المجهول بعد إستنزاف ثرواته ؟ أم هو الخوف من نفس المصير الذي آل إليه الرئيس العراقي السابق صدام حسين والذي يحاكم الآن نتيجة للجرائم التي إرتكبها ضد شعبه ! وخاصة مع وجود تشابه في الكثير من الصفات والأوضاع في بين الرجلين والبلدين !!!! هل أدرك الرئيس غلطته وعقد إتفاق مسبق بينه وبين الذي سيخلفه على هذه اللعبة بأن يلعب الرئيس الجديد دور محلل شرعي لكرسي الحكم ليعود بعد ذلك علي عبد الله صالح أو إبنه إلى الحكم ؟

هل يعلم الرئيس حديث الرسول القائل "لعن الله المحلل والمحلل له" ، ومن يضمن المحلل أن يطلق بعد ذلك حليلته ؟ من يضمن المحلل ألا يفعل مثل النجم عادل إمام في مسرحية " الواد سيد الشغال "لترفض بعد ذلك الزوجة العودة إلى الزوج الأول بعد أن أعجبها حياة الزوج الثاني " المحلل " .

هل سيتراجع الرئيس عن قراره القاضي بعد ترشيح نفسه في الإنتخابات القادمة ليكون بذلك عرضة للقيل والقال ويصبح في كل الأفواه وتتوارد عليه اللعنات من كل حدب وصوب ونصبح نحن اليمنيين عرضة للسخرية والإستهزاء بسبب عدم صدق رئيسنا .. إن الأمر هذا لا يجوز في نظر الشرع الإسلامي بعد أن طلق البلاد طلاقا بائنا لا رجعة فيه إلا إذا تزوجت البلاد رئيسا آخر غيره وبدون إتفاق مسبق معه ، الطلقة الأولى كانت في شهر يوليو 2005م بمناسبة مرور 28 عام على توليه الرئاسة عام 1978م ،

والثانية في تصريح له لوسيلة إعلام يابانية أثناء زيارته لها ، والثالثة أثناء إنعقاد المؤتمر السابع لحزبه في عدن ، وزكى هذه الطلقات بالرابعة في حديث صحفي له بصحيفة الحياة اللندنية . أنا أتمنى ألا يتراجع الرئيس عن قراره وعليه إذا أراد أن يكسب شعبه إلى جانبه ويسامحه على ما فعله خلال سنوات حكمة ، أن يترك الميدان للمنافسة لمن أراد وصندوق الإقتراع خير من نحتكم إليه ، ويدع العالم كله يتحدث عن التجربة اليمنية الديمقراطية ، وسيسجله التاريخ بأحرف من نور رغم مساوئ حكمة التي جلبت الدمار والخراب للبلاد والعباد .

وأذكر هنا ورغم الإنتقادات التي يوجهها البنك الدولي وصندوق النقد من إنتشار الفساد في البلد وتهديداته بقطع المعونات التي يقدما وقد خفضها إلى النصف بسبب الفساد المستشري ، إلا أنه لا حياة لمن تنادي ، ويظن الرئيس أنه ومن خلال عدم إصغائه لتلك الأصوات وتلك الإنتقادات سينجو من سيف العقاب ويظن وبعض الظن إثم أن الشعب سوف يقف معه عندما تدلهم الخطوب عليه من حدب وصوب وخاصة من النسر الأمريكي ذو المخالب

الجارحة . وأخيرا وليس آخرا قررت الدول المانحة إعطاء اليمن مهلة 6 أشهر لمراجعة حساباتها والعمل على تحقيق المزيد من الإصلاحات بعد التقارير التي رفعت عن إستشراء الفساد في البلد ، لنفاجأ بالنعيق الرافض للمساعدات المشروطة ، إلا أنه إستدرك ذلك بتعديل حكومي حاز على رضا الدول المانحة على حد زعمه ..

إن الشعب اليمني يرفض قيادة البلاد بهذه الطريقة العشوائية والمقيته والمطلوب من الرئيس علي عبد الله صالح قبل أن يغادر كرسي الحكم أن يقدم كشف حساب تفصيلي عما صرفه طوال سنوات حكمه العجاف من أموال وهبات له ولأسرته والمقربين منه !! للأقرب محكمة يمنية ، وأين ذهبت تلك الأموال والمليارات سواء التي دخلت إلى البلاد عن طريق القروض والهبات الدولية أو عن طريق موارد البلاد وعليه أن يبرئ ذمته أمام الناس

ليشهد العالم كله أمانته ونظافة يده .. والشيء الأخر الذي أدعو الرئيس أن يفعله قبل مغادرة الحكم ولكي يجنب البلد ذل السؤال ليختصر الوقت أن يسلم البلد لمجلس التعاون الخليجي فهم الأقدر على إدارتها والأكفأ والأنزه

وبالتالي سيتحقق الرخاء الإقتصادي والسياسي والإجتماعي ، ومقال صالح الراشد المنشور في موقع إيلاف الإلكتروني بتاريخ 8/5/2006م غير بعيد عنا لمن أراد أن يتعرف على نظرة الخليجيين لنا ، لكن ما أكثر العبر وأقل الإعتبار.. أما لو عدل الرئيس عن قرار ورشح نفسه وفاز وهو حتما سيفوز ولم يتم إصلاح الأوضاع

فإن هذا لعمري لهو قمة الإستخفاف بهذا الشعب ؟ لأن الشعب بعد ذلك لن يقف مكتوف الأيدي ولن يبقى ساكتا عن سارق قوته وبائع كرامته وتاجر مبادئه ، ولن يتوانى ولن يتردد حتى ولو إقتضى الأمر الإستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية لوقف العبث والإستهتار والنهب لثروات الشعب ، ونحن بانتظار أن يفي الرئيس بوعده بعدم ترشيح نفسه لكي يصدق مع نفسه وشعبه ولو مرة واحدة ولكي لا ينعت بلقب الرئيس الكذاب وإن غدا لناظره قريب فإلى الملتقى ...  


في السبت 20 مايو 2006 11:27:23 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=210