العلماء والمثقفون والثنائية المرفوضة
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

مأرب برس – خاص

يحلوا للبعض أن يصنع فصاماً نكداً، بين الدين والثقافة، كما وقع من قبل من الفصام النكد المتوهّم بين الدين والعلم، يحلوا للبعض أن يصوّر العلاقة بين العلماء والمثقفين على أنها علاقة تصارع بين معسكرين كبيرين، معسكر المعمّمين ومعسكر المبنطلين، ومعسكر النقل ومعسكر العقل، فهل حقاً الأمر كذلك؟، وهل فعلاً هذا الصراع قائم، ومن ذا صنع هذا الصراع؟ ولِمَ يستخدم البعض مصطلح المثقفين، وما أغراضه من إطلاقه هذا المصطلح، حتى على ثلة غير قليلة من علماء ومفكري ورواد الأمة المستنيرين من العلماء والفقهاء؟؟ .

إنه من الظلم بمكان أن نصنّف مثقفي الأمة وكتّابها على أنهم ضد الدين وضد العلماء، وأنهم جهلة بأحكام الشريعة المطهرة، لا سيما بالمحكمات والضرورات الشرعية منها التي لا يسع المسلم جهلها، وتزداد الفاجعة إذا علمنا أن البعض يطلق مصطلح "المثقفين" وإنما غرضهم تصفية فكرية واسعة لبعض العلماء الذين أفنوا أعمارهم في طلب العلم والتأليف والدعوة، ولهم اجتهادات معاصرة لجملة من القضايا والنوازل التي لحقت بالأمة، ولأن هذه الاجتهادات التي لها في الشرع محل للنظر لم توافق هذا التيار، فكانت ردة الفعل الطبيعية من هؤلاء، أنّ هؤلاء ليسوا علماء بل هم "مثقفون" يهرفون بما لا يعرفون، ويتوسع بعضهم في إطلاق هذا المصطلح حتى على بعض أئمة العصر ومجتهدي القرن من أمثال الإمام العلامة يوسف القرضاوي، الذي له من المؤلفات المعاصرة أكثر من مائة وثلاثين مؤلفاً وكتاباً، تعنى بحل قضايا الأمة ومشكلاتها المعاصرة وفق رؤية إسلامية رائدة، والذي ما من أحد من علماء العصر إلا وتتلمذ على يد القرضاوي بطريقة أو بأخرى، ومن أمثال العلامة المجتهد عبد الكريم زيدان صاحب المفصّل في أحكام المرأة والبيت المسلم الحائز على جائزة الملك فيصل يرحمه الله، الذي يعد كتابه بحق من بدائع الزمان وحسناته التي جاد بها، ومن أمثال العلامة المجتهد وهبة الزحيلي، والدكتور فتحي يكن، والأستاذ الدكتور/ محمد عمارة، وغيرهم كثير من علماء الأمة ومجتهديها في نجد والحجاز والشام ومصر واليمن والمغرب وسائر ديار المسلمين، ممن فاضت واستفاضت درجتهم في العلم والفتيا بين المسلمين، في شتى دروب الشريعة وفنونها .

على أن جبهة واسعة وعريضة وكبيرة أيضاً في أمتنا من المثقفين والكتّاب كان لهم أيضاً الدور الأكبر، ربما أكثر من العلماء، في بعض الأحيان والأحوال، في مواجهة تيار التغريب والتحلل والتفسخ، والكل له البلاء الحسن والثناء الجميل، والحب والتكريم عند الله وعند خلقه، على أننا نستنكر هذه الحملة من البعض ضد البعض التي لا مبرر لها، لا سيما إذا ما علمنا أنّ بعضاً ممن يطلَق عليهم "مثقفون" هم في واقع الحال علماء شرعيون حتى ببعض علوم الشريعة التي تكاد أن تندرس كعلم الفرائض وجزئياته، وعلم الأصول وتفاصيلة، وفن مصطلح الحديث وأنواعه وضروبه، وفنون الروايه والدراية، وطرائق الاستنباط، وعلوم الكلام وعلم البلاغة والبيان والبديع وغيرها من العلوم الإسلامية .

إن مما يجب أن نسعى إليه في هذا الوقت وكل وقت أن نسعى إلى التأليف والتقريب، لا أن نزرع بؤر الصراع والاختلاف والتراشق بالمصطلحات والتنابز والتلامز بالألقاب، وأن يسعى دعاة الإسلام إلى بناء الجبهة الشعبية الواسعة والعريضة، التي تستوعب كل تيارات وفصائل الأمة التي لا تزال على أصل الإسلام، لمواجهة جحافل الغزاة، وتيارات التغريب وجيوش المستعمرين، من داخل الأمة وخارجها، على أنه في هذا الصدد لا بد من الإشارة بالضرورة إلى بعض القضايا من أهمها:

  1) لا مانع من النقاش والتمحيص العلمي الدقيق، والسعي الجاد لمعرفة الحق والصواب، وأنه لا معصوم إلا من عصمه الله، في إطار من الإخاء والحب، وفي أكناف من السلام والود وحسن الظن، بعيداً عن اتهام النيات أو التنابز والتلامز بالألقاب، ولست أدري كيف يتحدث البعض عن هذه الحقيقة ثم يتنكر لها في فِعاله وأعماله ودعوته، حتى قال قائلهم ليس هناك علماء إلا كأصابع يديّ هذه!!، فهل زملاؤه جميعا الذين تخرّجوا معه من نفس الجامعة ونفس المدرسة ليسوا علماء؟!!، وهل مئات العلماء الذين تأخذ عنهم الأمة الدين والشريعة والفتيا ليسوا علماء؟ فواعجباً لهذا المنهج الذي يغتال حتى نفسه وذاته! .

2) لا بد من سعة الصدور، وتوسيع الآفاق، ويكون هذا بدراسة الشريعة دراسة عميقة وواسعة ومتبحرة، ودراسة فقه تنزيل هذه الأحكام وواقعها، وما يرتبط بها من قضايا ومشكلات، إنّ كثيراً من روّاد المدرسة الجامدة ذات الأفق الضيق، لم تدرس الشريعة، ولم ترجع إلى بطون كتب الأئمة، ولم تدرس المذاهب الإسلامية، المليئة بمسائل الفروع والتفريعات، والتي لها تطبيقات عصرية كبيرة وواسعة في زماننا، فقصارى ما يقرؤون نتفاً من الفقه المذهبي أو بعض المتون المذهبية، أو حفظ بعض الأحاديث، فيظن أحدهم أنه تحمّل علم الأولين والآخرين، وقد يكون الحق معه إلا أنه يحتاج منه إلى حسن إخراج وحكمة .

 إن سعة دراسة الشريعة، ودراسة واقع تنزيلها ومتعلقاته، والتعمق في قراءة كتب الأئمة والعلماء المتقدمين والمتأخرين مما يوسّع العلم والمدارك والآفاق، ولست هنا أدعوا إلى هجر الكتاب والسنة، عياذاً بالله، بل أدعوا إلى دراسة الكتاب والسنة، وفق مناهج العلماء الربانيين، والإفادة من موروثنا الحضاري والفقهي الكبير والعظيم، في حلحلة مشكلاتنا وقضايانا المعاصرة، وسنجد ثروة هائلة وزاخرة في هذا المقام .

3) لا بد من مرجعيات لكل علم وفن يعود الناس إليهم إذا اختلفوا في مسألة من مسائل هذا العلم أو الفن، والمرجعيات الشرعية في الفتيا هم العلماء الراسخون في العلم، فالمرجعية في باب الفتيا الرد إلى الله ورسوله وأولي الأمر من العلماء المحققين، وعليه فلا يجوز أن يتصدر صغار طلبة العلم منابر الإفتاء والتحليل والتحريم، لا سيما في الشؤون والأمور العامة، بل الواجب أن يؤخذ على أيديهم، إذا ما بدر منهم ما يدل على جهل أو تغرير بالأمة.

4) علاقة العلماء بالأمة بكافة شرائحها وفصائلها يجب أن تكون مبنية على الرحمة والرأفة والدعوة بالحسنى، والحب المتبادل على أساس من روح الإسلام وأخوة الدين .

     والله تعالى من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،


في الأربعاء 01 أغسطس-آب 2007 10:52:04 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=2253