في البلد الحراج!

فخامة رئيس الجمهورية، القائد الاعلى للقوات المسلحة والأمن، رئيس مجلس القضاء الاعلى- حتى هذا الاسبوع-، رئيس المؤتمر الشعبي العام الحاكم.

على مقربة من دار الرئاسة-في البلد الحراج- في الـ14/ 5/2006م حدثت جريمة قتل جماعية من قبل مجموعة مسلحة على رأسهم رجل من سنحان، راح ضحيتها (محمد حمود الحامدي) وهو أحد مواطنيك وجيرانك في حراج 45 بصنعاء من أبناء حبيش وحبيشٌ هذه لا علاقة لها بالأحباش أو الحِبْشَة وإنما هي مديرية تقع شمال غرب مدينة إب على بعد25كم ولحزبكم منها دائرتان نيابيتان إحداهما دائرة النائب المخضرم علي عبدالله أبو حليقة رئيس اللجنة الدستورية في مجلس النواب والقتيل المظلوم - تحديداَ- ينتمي إلى "ظَلْمَة" مركز المديرية.

وإبّ محافظة يمنية شهيرة تبعد نحو 250كم جنوب صنعاء، عُرفت باللواء الاخضر وهي 35 دائرة برلمانية لحزبكم منها ما يساوي عمركم في الحكم، 27 دائرة بالتمام ويحلو لكم دائماً نعتها بـ"البطلة" وهي خضراء، فقيرة، مغتربة، مثقفة ومسالمة.

الاخ الرئيس لقد سقط الحبيشي صريعاً على وقع البشارة الرئاسية لـ(إب) باختيارها محظية للوحدة في عامها القادم وانطلق الجناة هادئين إلى كنفٍ حصين مزهوين كأنما عادوا من رحلة صيدٍ في قفر عامرٍ بفرائس سهلة تحيا في عراءٍ مكشوفٍ تتراكض فيه الوحوش.

الاخ رئيس الجمهورية...مر أسبوعان والحامدي في ثلاجة الثورة وفي قلوب بنيه وأهله وشعبه جثة حية الألم، طافحة بعتبٍ لاهبٍ يلفح وجوه الجميع.

يرقد الحامدي شاخص العينين نحو وطن بارد كالموت، لا طنين فيه لغير الذباب.

جراحاته لعنات على رأس وطن، دماؤه المتخثرة بصقات على وجه شعب.

مر أسبوعان وهو جثة ترفض الدفن بحثاً عن كرامة أخيرة لمواطنٍ عزت عليه كرامة الحياة والموت، في بلدٍ يسقط في عين النهار بينما بنوه في غيبوبة الزمن الرسمي يهذون بالسياسة والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وبينما قادته يحيون الليالي الملاح احتفاء بالوحدة التاريخ الذي استحال إلى مدفنٍ عام لشعب ما عاد يرى فيه غير حفاري القبور.

مر أسبوعان من كرنفالاتٍ وأغانٍ مشفوعة بهتاف فقير إلى الروح والدم، بينما الحامدي روح مزهقة، ودم مراق، وكرامة مداسة، لم تجد من يفتديها أو يفديها بروح أو دم. يرقد جثة هامدة في ثلاجة كبيرة يتجمد فيها النظام والقانون، ترتعش الداخلية وتأكل الديدان لحم الدستور، تتعفن العدالة وتفوح روائح الخطب والشعارات خانقة سامة.

مر أسبوعان من صخب ومدائح وإنجازات راقصة بينما الحامدي ممدد في جوف البهجة، يحيط به صغار حزانى لا يدرون لم "انطفأ أبوهم سكتة في الضوء"؟ لم لا يقوم؟ لم لا يعود مالئاً قلوبهم ودروبهم الشحيحة ومأواهم المسكون بوحشة الموت ووطأة القهر.

 

 

-يا الله- أي عتبٍ يسكن أعينكم يا يتامى الوطن الحراج؟.

أي أسى أعشب في أحداقكم بعد أن حصد القتلة قلب أبيكم المخضر؟ ومن تراكم تنتظرون بعده؟ من يجيئكم بالأفراح الصغيرة والبهجات المنتظرة؟ من يطوقكم بذراعين من حنان؟ ومن يضمكم إلى صدرٍ من حب في المساءات الباردة؟

أما زلتم تعتادون الحراج؟ تفتحون دكانتكم البسيطة تقفون مكان أبيكم المغدور؟ تبيعون أشياءه للزبائن العابرين دون أن تدققوا في اللهجة المساومة أو تنظروا إلى موت محتملٍ معلقٍ في الخاصرة، لا يكترث أن يعلن عن نفسه بصورة مدوية عند أي بادرة اختلاف وعدم اتفاق أو ممانعة؟ هل ما زال الحراج الشاهد على الجريمة قادراً على مزاولة نشاطه دون خوفٍ من قاتل لا يقدّر قيمة الحياة كما يثمن الاشياء؟

يا أخانا الرئيس..كان يكفي ليحبك الناس أن تقطع جولتك السعيدة بتصريح أو اتصال ينتصر لمواطنك الحامدي من مواطنيك القتلة مطلقي السراح.

كان يكفي أن نسمع أنك عزيت أطفاله وزوجه وأهله باتصال في مهرجان التهاني والتبريكات المرائية.

كان يكفي أن تعلن للشعب أن دم الحامدي لن يكون حراجاً ولا شيئاً مستبخس الثمن، وألا أحداً فوق القانون وآخر تحته.

-بالله عليك- حدق قليلاً في وجوه أطفاله..لترى أي وجه حزين يرتسم للوطن!، فتش في أعينهم المذعورة عن بلد تذرعه الشعارات والمواكب آمنة ما بين صنعاء إلى حضرموت في حين لا يأمن فيه مواطن بسيط من أن يسحق ويكنس من الحياة بيد جهالة متوحشة لقاء مكنسة حقيرة في قلب صنعاء قريباً من دار الحكم في الستين.

سألتك الله...وأنت تغرق في مدائح الكبار والأطفال ما بين الحديدة وريمة! أما تذكرت آل الحامدي وأبناءه المفجوعين وهم مأتمٌ صاخبٌ وأحزانٌ كسيرة تبعث الرجفة في قلب كل لحظة زهوٍ وتطفئ الفرح في المدائن؟

كان يكفي لتحي الوحدة والناس جميعاً أن تأمر بالقبض على القتلة وتسليمهم إلى العدالة.

حدق في أطفاله جيداً..حتى تشعر بمعنى الابوة ومعنى الفقد المهين، أما ترى فيهم أبناءك وأحباءك؟ ألا يستحقون ونستحق وقفة انتصار أو حتى إشارة احترام عابرة.

الأخ الرئيس صحائف الحكومة (الثورة، الجمهورية، 26 سبتمبر، 14 اكتوبر) لم تعر الحامدي أي اهتمام، لم تجزع لقتله كمواطن يمني قامت الثورة والجمهورية لأجله، لم تستقبله خبراً أو تقريراً فاجعاً ولا مقالاً نادباً ولا تعزية هامشية إلى جانب تهاني الوحدة التي احتلت غالبية الصفحات.

صحائف الحزب الحاكم الذي تمنحه إب أصواتها بسخاء-هي الاخرى- لم يعنها الامر ولا يعنيها المواطن حال الموت بل وقت الصوت، وقضايا قتل المواطنين قهراً أو فقراً شأن المعارضة لا شأن حزب الاغلبية.

أهالي قبيلة بني فلاح نفذوا هذا الاسبوع إعداما قبليا بحق قاتل سلم نفسه اليهم بعد قتل أحد أبناء عمومته مفضلاً الموت ثأراً على يد أولياء الدم على دخول المحاكم وهذه صورة للأوضاع المقلوبة في دولة النظام والقانون المبسوطة على أرض الشعارات وفي حال الحامدي يرتكب القاتل جرمه فيلتجئ إلى حام يدرك المسافة بينه وبين القانون وهو ما يفتح الباب لسيناريو تصفية أكثر بعداً وإيغالاً في القتل.

فخامة الرئيس لن نستطيع العيش بسلام مادام للقتلة ملاذات آمنة ممنعة، لن نشعر بالاستقرار والمجرمون مطلقو السراح، سنظل نُقتل كل يوم وليلة، سنظل لعنة تطارد أكاذيب الامن، لن نشعر بأنا أبناء وطن الناس فيه سواسية في الموت والحياة، سنظل نصرخ في موتى الثلاجة وحاكم الثلاجة وسلطان الموت ورعاة القتلة.

لن نحترم الوطن ولا أنفسنا الخانعة فأي وطن هذا الذي لا يكفل أبناءه أحياء آمنين صالحين في حين يتبجح بكفالتهم أيتاماً مكسورين عبر مؤسسات إحسان غير صالحة.

الاخ الرئيس...نحن موتى إلى أن يحيا العدل، قتلى حتى إعدام القتلة.


في الأحد 04 يونيو-حزيران 2006 09:55:18 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=231