الفتن الطائفية في العالم الإسلامي من أيقظها؟!
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

مأرب برس - خاص

كانت ولا زالت الأمة الإسلامية تحتضن طوائف ومللا ونِحَلاً وأجناساً وأمماً مختلفة، على مر التاريخ الإسلامي، وعاش الجميع في كنف الإسلام ورحاب الدولة الإسلامية، أجواءً من الحب والسلام والتعاون والتكافل، بصورة لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلا.

 وهذا في الأغلب الأعم، وإلا فقد وقع في بعض الأحيان بعض المكدرات التي عكّرت صفو هذه الحقيقة، كما الحال في وضعنا الإسلامي الراهن، حيث نشاهد تقريباً في كل بلد إسلامي فتنا طائفية، وقلاقل أمنية، مما يجعل اليوم يختلف عن الأمس كثيراً، وإن كانت الحقيقة التاريخية ثابتة باقية لا تختلف ولا تتزعزع، بشهادة عقلاء وعلماء ومنصفي العالم .

بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه في خضم هذه الفتن الطائفية التي تدور رحاها في عالمنا الإسلامي، على غير العادة، من أيقظ كل هذه الفتن؟ ومن خلفها؟ ومن ذا الذي يغذيها؟ ومن المستفيد منها؟ وهل من أمل في القضاء عليها؟ حتى يعود المجتمع الإسلامي إلى سالف عهده مأوىً ومهاداً للبشرية جمعاء تأوي إليه، فتجد فيه السلام والحب والأمن والحرية والطمأنينة .

هذه محاولة في ثنايا هذه الأسطر، للوقوف على بعض بواعث الحروب الطائفية في العالم الإسلامي اليوم، وأهم أسبابها ودوافعها، ومن يقف خلفها، سائلا من الله تعالى التوفيق والسداد .

1) انتشرت الفتن الطائفية، واتسعت رقعتها، ووجدت وظهرت مع وجود وظهور الاستعمار القديم والجديد، فحيثما كان المستعمر كانت معه الفتن الطائفية والحروب الداخلية، فالمستعمر دوما في كل أحواله، يذكي نيران الاقتتال الداخلي في الأمة، ليقتل الأمة بعضها بعضاً، ويوفر المستعمر بذلك أكبر قدر من المال والجهد والأرواح والتكاليف، فمثلاً الفتنة الطائفية في السودان، لا مبرر لها إلا أنها من عمل قوى الهيمنة الدولية، التي تطمع فيما لدى السودان من طاقة هائلة، سيما في إقليم دارفور، الذي يحتوي على مخزون عالمي من اليورانيوم والبترول، إضافة إلى الأرض الخصبة، كما أن سكان دارفور فيهم آلاف الحفاظ لكتاب الله الكريم، والعلماء وطلبة العلم الشرعي، هذا الوضع لهذا الإقليم، المبشر بالخير والأمل، جعل قوى الشر العالمية، تطمع في هذا الإقليم وما فيه من خيرات وثروات، فأثارت فيه الفتنة الطائفية والنعرة الشيطانية، فراح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب السوداني، وما كانت هذه الفتنة لتطل بوجهها القبيح على شعب السودان لولا الأصابع الصهيونية والأميركية وأخواتها، طمعاً فيما لدى السودان من ثروة وطاقة، وحسداً من عند أنفسهم لما يحمله أبناء هذا الإقليم من خير وإيمان وفطرة نقية، قد تشكل خطرا ما على المشروع الصهيوأمريكي، في الاستعباد والإذلال للشعوب الحرة والقوية .

 ربما أشاطر البعض الرأي، بأن ثمة أخطاءً من طرفي النزاع في الحكومة السودانية والمعارضة في دار فور، لكن من الواضح جداً أن من أهم الأسباب الخفية وراء الصراع في هذا الإقليم المسلم هو التدخل الأجنبي، الذي لا تسره أبدا الوحدة الوطنية ولا الإخاء الإسلامي، وحيثما وجدت وحدة إسلامية أو حتى إنسانية سعى إلى تمزيقها وشرذمتها.

وما يجري على أرض دارفور، يجري بنفس الصورة تقريبا في الصومال والعراق وأفغانستان، ولبنان، إن التدخل الخارجي الاستعماري الاستحماري المتسلط هو السبب الأكبر والأهم في ظهور الفتن الطائفية، في أمة لا تعرف حروبا طائفية، إلا في قصص التاريخ الغابر، وذكريات الزمن السحيق، بعد أن ألّف الإسلام بينها، وآخى بين كل شعوبها وقبائلها، كما قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13 .

وإذا وقع شيء من الخلاف أو النزاع في الأمة، سرعان ما يُحتوى ويحل عبر نظرية الصلح في الإسلام، أو بمقاتلة الباغي المعتدي حتى يفيء إلى أمر الله، أو غير ذلك من الوسائل الشرعية التي شرعها الإسلام، وبالتالي يبقى النزاع دوما خارج الإطار الإسلامي، ومحل إدانة وتجريم وتحريم، كما قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }الأنفال46 .

 وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران103 .

 وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }آل عمران105 .

 وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159 .

2) ظهرت الفتن الطائفية والنزاعات المسلحة داخل العالم الإسلامي، حين خيم الاستبداد السياسي على ربوع العالم الإسلامي، ونصب المستبدون خيام السكنى والإقامة غير الكريمة وغير المشروعة في أوطاننا الإسلامية، وقامت إمبراطوريات الاستبداد السياسي والقمع الفكري، وطغت ثقافة التجويع والتشريد، والسجون والمعتقلات والحرمان، على حساب دولة الحق والعدل والمساواة والحرية، فتناغم الاستبداد السياسي مع أخيه الشقيق الجهل الفكري والثقافي، فجنت الأمة من ذلك الويلات والنكبات والهوان وسوء العذاب .

وإن ما يجري مثلا، على صعيد الفتنة اليمنية في صعدة، لصورة واضحة جلية لهذا الإخاء التاريخي بين الاستبداد السياسي والجهل الفكري والثقافي، وهي ذات الصورة في العراق ولبنان، وغيرها .

3) طغيان عالم المعاصي والفجور على عالم الطاعة والإنابة إلى الله، فكم رأت أعيننا حضارات وإمبراطوريات لم تكن تغيب عنها الشمس، هاهي أضحت اليوم في بطون كتب الأخبار والقصص، أهلكهم حب الدنيا والتنافس عليها، وأغواهم الشيطان، فزين لهم سوء أعمالهم وشرعن لهم الفجور والفسوق والعصيان والطغيان، فتفرقت كلمتهم وتشتت قواهم، وتخلخلت صفوفهم، وتكدر صفو عيشهم، وذهبت ريحهم، وتمزقت دولهم، كما وقع لأمة المغضوب عليهم والضالين، قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }المائدة14 .

 وكما وقع أيضا لهذه الأمة حين غفلت عن هدي ربها فتفرقت وتشتت، كما ورد في حديث أبي هريرة: " افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".

 والواجب على الأمة إزاء هذه الفتن الحوالك، أن تتذكر ربها ودينها ونبيها وأخوتها وجماعتها، وألفتها، وأن تتذكر ما هي عليه من ضعف وهوان، وأن تعلم أن وحدتها فريضة شرعية لازمة، كما قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}الأنبياء92 .

 وكما أن الوحدة واجبة لازمة، فإن الظلم والفساد حرام لا يجوز الصمت عليه أو مهادنته، أو مقاومته على استحياء، بل الواجب الصدع بالحق، والوقوف في وجه الظلم والظالمين أيا كانوا، ويستلزم هذا أيضا الأمر بالمعروف في فئات الأمة ودعوتها إلى الخير والعودة إلى الله والأوبة إليه، وذكره وشكره والإيمان به والتوكل عليه، وبهذا يصير النهي عن المنكر جزءً من الدين والجهاد والبر والطاعة، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيا كان سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو أخلاقيا، لهو أعظم جوانب الدين وأفضلها .

 فهذه كلها وسائل في كبح جماح النزاع والاختلاف والفرقة والشتات في أمة التوحيد والوحدة، ووسائل هامة وناجعة في القضاء على فتن الطائفية والمناطقية وغيرها من دروب الافتراق والاحتراب .

والله الكريم نسأل أن يوحد الأمة وأن يجمع شملها، وأن يرفع عنها ظلم الظالمين وسطوة المفسدين وتآمر المتآمرين، والحمد لله رب العالمين .

Moafa12@hotmail.com


في الإثنين 19 مايو 2008 08:31:18 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=3748