الثورة ؟... سعيكم مشكور!
عبدالله عبدالكريم فارس
عبدالله عبدالكريم فارس

مأرب برس – خاص  

    

لا أبحث هنا عن متكأ للنحيب، لكن بعيداً عن المخاتلة: مايووه، الثورة، الحوزة، الموزة، إبريل، نعجان، نيسان، زعفران، هذيان... كلمات حرب ثقيلة على الأذن تطن كصوت رصاص مكتوم يدج في لحم ضحاياه. 

    

الثورة التي لم تستقر في قرابة نصف قرن ولم تصبح ذكرى، ثورة فاشلة... والثورة التي لايولد من رحمها أدخنة مصانع ونقر معامل وعفر مزارع وإقتصاد منتج وغذاء وصحة وعلم وأمن وقضآء وعدل بدلاً من دخان البارود وغبار المتفجرات، ثورة فاشلة... الثورة التي لاتزال تحمل في طياتها أزمنة الغزو والسبي و"الفيد"، ثورة فاشلة... والثورة التي لم تسفر عن أي تقدم حقيقي حتى اليوم، هي ثورة فاشلة. 

    

- 
أخطأت الجموع إذ أعتقدت أن الثورة وحدها بدون إدارة رشيدة توفر بديل أفضل.. 

    

على مدار الساعة وحتى الساعة، عمليات الكر والفر لم تتوقف... لم تستقر اليمن عقداً من الزمان، -حتى في أيام الإحتفالات-، ولم تصبح وطن الأحلام والمساواة والخزعبلات كما وعدت مسودات الثورة والبورة والجمهورية. 

    

الأغبياء الذين ماتوا قبل يكتب لأحلامهم النصر، والذي يتم نعتهم اليوم بالثوّار والشهدآء، حصلوا فقط على العار ولعنة إحياء تراث رجال العصابات والمرتزقة حين سطروا بدمائهم أكثر السجلات الفوضوية سواداً. - لنصبح بعد مغامرتهم الرعناء أكثر البلدان قدرة على إستيعاب التخلف والجهل والفقر بشكل رسمي ممنهج... بل ورعايته بألمعية على إيقاع نعال الحرس الجمهوري. 

    

تتشابه الأفعال وتختلف الدوافع، تكفل الأبطال بتحطيم القلاع وتكفل الجبناء بتحطيم الأسطورة والحلم... ليتناسل بعدها مسلسل الكوارث وتكاثره إلى الحد الذي نراه الآن، لأن مغتصبوا سدة هذا الوطن لم يحاربوا معركة النهضة الصعبة، ولم يأخذوا حرب التقدم والإقتصاد بجد.. ظلوا يحاربوا معارك جانبية مبتذلة هروباً من المعركة الحقيقية، من أجل انتصارات سياسية رخيصة. 

    

ما زالت أحداث صعدة عصية على الفهم، - لاتسألوا بعد ما الذي يدفعني إلى كل هذا الحزن؟ ولماذا حسّ الرثاء الطاغي هذا في هذه الأيام؟ ولماذا يقطر قلبي مرارة؟ ولماذا أذهب إلى استذكار الكوابيس بدلاً من الأحلام الوردية؟ 

    

حان الوقت كي نتقن فن الإستخدام السليم لطاقاتنا... ولكي ننهي رقص سماسرة الحرب على بساطٍ من نثارِ البطون واللحم والدم، يجب أولاً إشهار السيف في وجوههم ونزع الأمر قسراً منهم من أجل وقف حرب عبثية مستمرة منذ اليوم الأول، - فكل الأنظمة الجامدة والراكدة آيلة حتماً الى التقادم فالسقوط والتلاشي، وهذا قانون وجودي أزلي يشمل جميع الكائنات والشعوب والأحوال، ذلك يبدو واضحاً ببساطته العميقة، وعميقاً بوضوحه البسيط. 

    

لا يجوز للأحرار من الناس الهروب أو التدثر بعباءات الصمت عندما يلامس النصل مواطن عفتهم... فنحن لم ندلج بعد في ليلٍ أبدي لا أوبةَ منه... لازلنا قادرين على اجتراح غدٍ أفضل من فم الموت، ويجب أن ننتصر على دبيب الموت في بنيان الحياة، وذلك بإعادة تدوير مكونات الثورة الأولى... الثورة الأم.. التي لاتزال أسبابها كامنة في محلها... الجوع.. الفقر.. والمرض... وعلينا إستدعاء طاقة النهوض فوق سقف الكوابيس والإستعداد للإنتصار أو الموت مرّة ثانية. 

    

ومع أن كل الأحزان تعود بشكل أو بآخر إلى المصيبة الأصل، وبإعتبار أن كل مناسبة أصبحت تمثل في وعينا الجماعي كابوس بكل المقاييس.. إنهيارات متعاقبة على تاريخ بلد لا يزال يتعثر في مهده... ينبغي أن نعيد النظر في طقوس ومراسيم الذكريات وعدم ترديد مفردات منتهية الصلاحية ظلينا نرددها كببغاوات على مدى السنين الماضية من دون تمحيص. 

    

ينبغي لبس السواد وإعلان الحداد عند كل مناسبة وطنية، ونعت "كارثة" وصفاً لليوم الذي خلع فيه "أئمة" جاءوا بمزاعم القداسة ليثبت مكانهم - لنفس الغرض ذاته - "أئمة" جدد وبفارق بسيط.. يدعي كبير "عكفتهم" اليوم نوع عجيب من القداسة الثورية. 

    

... لم اقرأ في حياتي عن شعب يحتفل بأيام كُرست لنهبه وقتله وتجهيله وتجويعه.. وعيب علينا التطبيل لنظام يعمل متفانياً من أجل إعاقة نهضة الأمة من الداخل، بل ويعتبر واحد من اخطر نقائضها.. ولايجوز السكوت عن نظام منهمك يومياً بتصوير شعبه أمام العالم وتصديره على أنه مجتمع متخلف وفوضوي، شعب من أكلة اللحوم البشرية، والتبشير به - من أجل حفنة مساعدات - بأنه أمة من المتوحشين البدائيين، الجهلة والقتلة من الذين لايخنعوا لقانون أو دين أو عرف أو تقاليد. - وتلك هي الصورة الطاغية التي تنقل عنا كل يوم - الله المستعان. 

    

- في الواقع يجب علينا في مثل هذه المآتم الوطنية ذرف دموع الناجين من مأساة، وذلك بتوديع ضيوف الحضور، كلٌ على حده قائلين لهم: - شكر الله سعيكم! 

    

abdulla@faris.com

 
في الثلاثاء 20 مايو 2008 07:22:36 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=3750