لتعايش سر النهضة الهندية
يحيي العتواني
يحيي العتواني

المتمعن لنهضة العالم اقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا يجد لها الكثير من العوامل والمسببات التي ساعدتها على النهوض.

قصة صعود الهند إلى مصافِ القوى الكبرى- بالرغم من الكثافة السكانية العالية- لا يمكن التعامل معها على أنها من مسلمات قصص النجاح في السياسة والاقتصاد فحسب، بل لعدة أسباب، من أهمها هو تقديسهم لمبدأ التعايش إلى جانب حرية التدين والتعبير رغم تعدد الديانات والطوائف والأعراق.

 من خلال استقرائي للنهضة الهندية وعوامل حضارتها وجدت أن من بين الأسباب التي ساعدت على هذه النهضة شيئا مهما يكاد يغيب في بلداننا العربية وهو التعايش الذي يعتبر المدخل الأساس لأي بناء مجتمعي اقتصاديا وسياسيا ونهضويا.

كنت قد كتبت مقالا قبل أشهر عن التعايش في الهند، وعرجت فيهعلى التعايش والتسامح في المجتمع الهندي والقبول بالآخر الذي يعتبر سمة من سمات هذا المجتمع الحضاري، فتشت عن السر في بناء المجتمع فوجدت أنه التعايش وترسيخه كأحد أهم أسباب البناء والتماسك المجتمعي والقيمي من منظور انساني بحت.

عشت عرس ديمقراطي في الهند فوجدت أشياء أذهلتني وأساليب لم أكن يوما متوقعها، أيام الانتخابات (أكبر نظام انتخابي عل هذا الكوكب) كنت استغرب من انقسام واختلاف الآراء في الشارع الهندي على المرشحين ليس انقسام من أجل الانقسام، ولكنه اختلاف في وجهات النظر. اختلاف من يستحق أن يقود البلاد وعلى هذا الاختلاف جرت الانتخابات الهندية. خلال فترة تقارب الشهر لم أجد رجال الأمن أو الجيش في اللجان الانتخابية، وجدت لجان وصناديق على أبواب المدارس وفي أماكن عامةولجنة مكونة من ثلاثة أشخاص لديهم كشوفات وأشخاص يدلون بأصواتهم في الأماكن العامة بكل حرية وبدون أي تعصب وكأن أمرا لم يكن، لذا أصبت بالذهول من هكذا ممارسات ديمقراطية راقية فقلت في نفسي أين نحن من هذا المجتمع الذي وصل إلى قمة ممارسة حقه في التعبير عن ارادته وتطلعه في الحياة.

تمت الانتخابات ولم يقتحم مركز انتخابي أو تزور اصوات كما يحدث في بلداننا وفاز تكتلا للمعارضة الهندية بزعامة مودي –رئيس الحكومة الحالية- وقوبل بارتياح من قبل معظم الشعب الهندي بسبب اداءه المتميز عن سابقيه، هكذا وجدت المجتمع الهندي يبني وطنه بدون تعصب لشخص أو مذهب أو دين أو عرق فرأيت مسلمين يصوتون للهندوسيين ورأيت هندوسيين يصوتون لمسلمين وقس على ذلك بقية الديانات، فالتصويت يكون على أساس كفاءه وليس على أساس المذهب أو السلالة أو الدين. هكذا وجدتهم.

الهنود بنوا دولتهم بترسيخ مبدأ التعايش والقبول بالآخر على أساس انساني بحت وليس على أساس عرقي أو حزبي، فتجد المجتمع في انسجام لا تتخيله معدلات الجريمة تكاد تكون منعدمة تماما، كل الشعب يعمل، لا مجال للانشغال بالتوافه كما يحصل في بلداننا العربية، الدولة رسخت مبدأ التعايش واحترام الدستور القانون.الدستور والقانون فوق الكل ويجب على الجميع أن يحترمه أيا كان، ومما زاد ايماني أن الهند متعايشة انك تجد مسلم يتقلد منصب كبير ومهم في الدولة انتمائه الدينيلا يمنعهمن منصب مهم، على سبيل المثال المدينة التي أعيش فيها قائد الشرطة في المدينة مسلم وهذا يدلل على أنهم تجاوزوا نظريه المذهب الواحد والفرد الواحد والحزب الواحد ولكن الكفاءة هي المعيار المعتمد.

 عندما أشاهد هذا التطور المتسارع في الهند تنتابني الحسرة والندم على وضعنا الذي نعيشه اليوم بفعل الاستبداد الحاصل في بلدنا اليمن والبلد العربي ككل، لم نعرف قيمة هذا التعايش الذي لم نعشه أصلا، بل عشنا الاستبداد والفوضى الممنهجة التي رسخت في عقول الكثير فانعكس هذا الاستبداد على المجتمع، لذلك تجد أي قوه صاعدة تكاد أن تتخلص من كل القوى المحيطة بجانبها وتريد المحافظة على كيانها فقط لأنها لم تتذوق معنى التعايش أصلا.

الهند لم تتخلص من هذا الوباء وهذا الداء إلا بعد أن عاشت فترة ليست بالقصيرة من الصراع المذهبي والطائفي العنصري حتى وصلوا إلى قناعة بتفعيل هذا المبدأ، فأخرجها من هذه الدوامة ونقلها إلى مكانها الصحيح في العالم، فأصبحت الهند من أقوى الدول صناعه ونهضة علميةواقتصادية لا يستهان بها، وهذا فقط لأنهم تخلصوا من تركة التشرذم ورسخوا مبدا التعايش السلمي.

 لذلك يجب على مثقفي ومتعلمي وساسة الشعوب العربية والشعب اليمني على وجه الخصوص تثقيف الشعب ونشر ثقافة التعايش والتسامح المجتمعي ونشر ثقافة الحب والتعاون والقبول بالآخر المختلف، بدلا من نشر ثقافة الكراهية والطائفية والسلالية المقيتةالتي نجدها تتسارع بشكل كبير في الآونة الأخيرة، فمتى تعي شعوبنا وتعود الى صوابها وتبني وطنها وتقبل ببعضها البعض وبدلا من الانشغال بالمذهب او الاحزاب تنشغل ببناء الوطن هذا ما أتمناه، وليكن شعارنا تقبل اختلاف الآخر عنك، وتعايش معه، واستفد منه في تطوير نفسك ومجتمعك.


في الإثنين 01 ديسمبر-كانون الأول 2014 08:53:38 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=40712