بعد الرحيل..ومات صديقي..
الحاج معروف الوصابي
الحاج معروف الوصابي

بل أخي وجزء من وجداني وروحي ، وكأني في موضوعي السابق ( قبل الرحيل ... وصاحبني الموت ) كنت أبكيه وأرثي نفسي دون أن اشعر ، يا سبحان الله وهذه المفارقات أو الموافقات .

 وأنا اكتب في ( وصاحبني الموت...) لم أكن أعرف سر الوجل في قلبي ساعتها وقشعريرة الجلد إلا الآن بعد أن قضى الحبيب الغالي – رحمه الله –

أنا مؤمن بالله سبحانه مسلم بالقدر خيره وشره ، لكنها صدمة شدهتني ، وقلبت علي الموازين ، وهزتني من القواعد ، فوجدتني كطفل لا يع ما يدور ، أو كقشة في مهب الريح ، آه ، ما أعظم الهزة التي يحدثها هذا المشهد.

كانت الأمور قد قاربت أن تستوي له ، أو أن مقداره على هذه الدنيا قد اكتمل واستوفاه ، فها هو قد انتهى من الماجستير ويستعد للدرجة التي تلي ، وقد أكمل بناء بيته وتشطيبه ، وشوقه عارم ويتأجج لأن يفرح بابنه البكر ، والأمنيات أمامه تتلاحق وتترى ، لكن الموت خطفه في لحظة أو طرفة عين في حادث مروري دون إنذار مسبق.

قبل يوم أقسم عليه أحدهم أن الفطور والعشاء عنده ، فرد عليه بل هو عندها يعني بذلك زوجته التي تنتظره مع أطفالها في القرية ، وقد واعدها على ذلك بعد فترة من الغياب ، فكان الفطور عندها فعلا ولكن تلك التي في الآخرة – إنشاء الله - .

والشوق للزوجة والأطفال بعد فترة من الانقطاع لا يقف دونه حد أو يستطيع شاعر تصويره ، تحس إن كنت تقود سيارتك وكأنك تريد أن تختصر المسافات والزمن ، ورغم أن عداد السرعة قد تجاوز حده الطبيعي إلا انك تشكو في نفسك إبطاء السيارة .

فاسأل المولى الذي قضى عليه قبل أن تبلغ الأرواح مناها ، والشوق حده ، أن يخلف عليه خيرا في آخرته .

أحسب أن الله قد أختاره إليه في أيام طيبة ومباركة في مطلع شهر رمضان المبارك وفي عشر الرحمات التي بشرنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن أوله رحمة ) وهذا وعد الهي لكريم نحسن الظن به في كل أحوالنا ، واني احتسبه عند الله ، ونقسم عليه بأن يرحمه .

هذه الدنيا كل مبتغى الإنسان منا أن يجتنيها ويعتلي صهوتها فلا يقف إلا عند أعلى الثمرة ، والأعجب أن تمام الأمر فيها يعني النقصان والاتجاه إلى الزوال .( إذا تم شيء بدا نقصه ....ترقب زوالا إذا قيل تم )

وما أجمل مطلع تلك البكائية ...لكل شيء إذا ما تم نقصان ....فلا يغر بطيب العيش إنسان ..

أعرف أحدهم وقد كان زميلي وصديقي فيما بعد ، كان حلم حياته أن يكون عضوا في النواب ، وعضوا في اللجنة الدائمة ، وبعد كفاح مرير وسلسلة من المحاولات والصبر وصل إلى ذلك ، في الوقت الذي ابتنى له ديوانا يسع حارة من اجل استيعاب أنصاره وأن يكفي وجاهته ، ثم ازداد معاريفه في الأجهزة الرسمية والمربعات القبلية والاجتماعية الأخرى ، قلما اتسع نفوذه ,وأوشك أن يمدد رجليه ويأخذ نفسا طويلا خطفه الموت فجأة وقد قارب .

وهكذا كثيرون ، كلما قال الواحد منهم بعد طول صبر وعناء الآن وصلت وسوف أرتاح خنقه الموت قبل أن تكتمل العبارة ..

لحظة وصولي الخبر الفاجعة وحضوري الجنازة في صنعاء والدفن والصلاة عليه في قريته ، بصقت على هذه الدنيا ، وعلى تلك الدار التي أناضل منذ سنين في بنائها ولم تكتمل بعد ، حسبتها عند تلك اللحظة كجيفة نتنة ، أو في مثل كلبة جرباء ، قبحها الله - رغم الحاجة لها – مالذي سأعود منها ، وقد أبصرت بعيني حفرة صاحبي وكيف اكتضه الناس إليها في ضيق وعجالة ، ثم حجارة على بعضها وتراب يتراكم ، لم يستطع أن يصحب معه حتى وسادة أو ثمة شيء على الأقل من هذا القبيل .

سرنا به إلى مسقط رأسه كي ندفنه هناك ، وفي الطريق تتقلب المشاعر فساعة نبكيه ونبكي أنفسنا ونحاول أن نتسم بالوقار وتهيب الموقف ، وساعة أخرى نضحك ونتبادل النكات وكان شيء لم يكن .

وعند الصلاة عليه تلك التي لا ركوع فيها بكيت كأني لم أبك من قبل وعند حمله وحتى مواراة التراب عليه لدرجة شدت انتباه من حولي ، ولعلهم قالوا كم كانا صديقين ، وكم هو وفيا بالدموع مع صاحبه ، والحق ليس في كل ذلك ، فاغلبه على نفسي واندبها وأنا أتحسس رقبتي من هذا المصير وتلك الحفرة وما بعدها ، فنحن من نفس الجيل والدفعة .

أتأمل بحيرة عميقة

كيف تسحب هذه الروح فجأة - السر الإلهي- وكيف يبقى هذا الجسد كما مهملا لا قيمة له إلا بالإسراع في مواراته ، وكلما تأخر كلما أثار تبرم وغضب الإحياء .

هذه الرقبة لم تعد تستوي بل تتدلى بحسب التحريك ، وهذا الجسد لم يعد ينتصب أو به شيء من حراك ، الأمر لله من قبل ومن بعد .

في صلاة الفجر بعد حصول الفاجعة كنت ارتعش ، وأصلي وكأنها الأولى في حياتي ، بطعم لم أجده من قبل وبمشاعر مختلفة ، أدعو ربي وأناجيه وكلي يهتز بان له الحمد إذ أتاح لي فرصة أن أصلي ولو حتى ركعتين ، بعد أن حرمها صاحبي وقد أصبح من المستحيل أن تتاح له ولأمثاله البتة ، وأنا الآن لا زلت في بحبوحة من الوقت والفرص والامكانات.

اليوم فقط بت أعرف السر في ترديد الصالحين لتلك الدعوات ( اللهم بلغنا رمضان القادم ) ، فلو كان صاحبي يعلم في رمضانه السابق انه سيحرم رمضاننا هذا لانكب يومها عليه يغترفه غرفا ، ولو كان احدنا يعلم متى بالتحديد أجله ولو كان لازال ممتدا لأفنى نفسه عبدا خالصا متجردا لا يفتر أو يغفل أو يتحول ..

بعد عودتنا من جنازته ، قلت لصاحبي المفتون في هواه ، لو حضرك الموت وبافتراض أن أعطيت تمديدا مقداره خمس ساعات أو أيام ما لذي كنت ستفعله ، قال سأمضيه بعد إعداد الوصية واستسماح الخلق ساجدا ..لا أفيق حتى أقبض..

وضعناه في اللحد وتسابق الخلق في اغتراف التراب ووضعه عليه ، فتذكرت كيف كانوا- وأنا مثلهم - يتسابقون في تنظيف ثوبه إن عفره الغبار ، والمحب الآن من يحمل الأحجار والطين وأكوام التراب ، ويصيح إن رأى خرما أو ثغرة لم تسد .

ثم بعدها جروا التراب عليه أكواما حتى زاحم وامتلأ وبدا مرتفعا ، وفي الحال انفض السمار ، الحبيب والقريب ، الصالح والطالح ، العابد والفقيه وقد كانت الشمس حادة وكلا منهم ينشد راحته بعد أن القوا ما عليهم ، ناديت على الصديق والقريب أن ابقوا ولو قليلا فصاحبكم الآن يسأل وادعوا له بالثبات وغيرها مقدار ما يذبح جزور كما جاء في السنة ، فلم ابق على احد ، وحاولت بدوري لكنها لم تزد عن الدقائق ، ثم ألفيتني بعدها في موضوع آخر ووادي آخر مع نفس السمار .وفي جلسة مقيل عن القات وأنواعه وشيء من التراهات.

يا الله في موقف ومكان ومنزلة ينفض الابن والأب والزوجة والصاحب ، فليس الا كا ثم تصير الحكاية في قعر النسيان ، إن تذكرك احدهم فبقصة بها شيء من الطرافة ، ثم يسير الأبناء في حالهم ، وتتزوج الزوجة إن كان بها ما تجد من الحيوية والنضارة ، أو لعلها تستدعيها وتتصنع ، ولا لوم عليها فتلك قصة هذه الحياة ، فلو كان احدنا في مكانها لعجل إلى أخرى قبل أن يجف طين قبر صاحبته ، ثم تسكن الدار بغيرك ، ويوطأ فراشك لآخر ، ربما قد يكون ممن كنت تستثقله ، وتستقذره ، وتستقبحه بالجملة ،عجبا كيف صار اليوم يتمدد ويترنح في دارك ، ويشتم ويصرخ على أطفالك ، وربما وجه لأبيهم اللعنات وأقذع الكلمات .

اللهم لم يبق إلا سواكا ، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أو أقل .

أنا الآن بي رغبة عارمة في محبة إخواني والنظر في وجوههم حتى أشبع قبل أن يغادروني أو اسبقهم ، ونسيان تجاوزاتهم وما كان منهم ، أريد أن أملا عيني من كل منهم ، وان أقوم بكل واجبات الأخوة والصداقة ، وقبل ذلك اغتنام اللحظة والدقيقة في الطاعات والذكر والتسبيح والصلوات والقرءان ، لكني لا اعرف إلى متى ؟ وأعود سيرتي الأولى ، الأطرش ، الأكرش ، وتبتدئ الحكاية ..

ربي فوضت لك كل أمري فتولني في كل حياتي ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أو اقل من ذلك ، أعلنها توبة مليء السموات والأرض ومليء ما شئت من شيء بعد ، وأقسم على ذلك ألف أقسم على توبة صادقة ، وحسن سير ، فهبني الرضاء والطاقة والتوفيق .

قصة

" إن في هذه الدار نملة تجمع الحبَّ في الصيف ، فتأكله في الشتاء ، فلما كان يومٌ : أخذت حبة في فمها ، فجاء عصفور فأخذها والحبّة ، فلا ما جمعت أكلت ولا ما أمَّلت نالت "

هذه هي الحياة عند بشر : إنسان يجمع ، فيأتيه الموت ، فيأخذه وما جمع .

هكذا ، بلا أبيات شعر ، ولا ألوان من الجناس والبديع نطلبها اليوم تـشغلنا عن جوهر المواعظ .

لأولي الألباب كفاية بيوميات العصفور والنمل ) للراشد في الرقائق. 

Wesabi111@gawab.com !!


في الأربعاء 10 سبتمبر-أيلول 2008 09:38:45 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=4154