الخلاف الحزبي يمزق النسيج الإجتماعي
خالد ناجي العصيمي
خالد ناجي العصيمي
 

الخلاف والأنقسام الحزبي في اليمن، يُخفي وراءهُ في واقع الأمر قلقاً عميقاً، وتأكُلأ ملموساً في وحدة المجتمع اليمني. تتوارث الأفراد والأجيال الخِلاف الحزبي، بدون وعي، أو إدراك حقيقي إنهُ لا يوجد سبب مُقنع لهذا الخلاف. لا بأس بذكر قصةً شخصية، حتى يتسنى لنا فهم هذا التنميط السلبي.

حين كنت صغيراً، كان جدي يحذرني دائماً من التحدث إلى بعض الأشخاص، إذا ما قابلتهم خارج الدار، لأن جدي ليس على علاقة جيدة معهم، وإذا سألته مستوضحا، كان تارة يخبرني بأن ذاك الشخص قد تشاجر مع أبي ذات مرة، في الحقيقة، هذا الشجار حدث قبل سنين من ولادتي. ومع ذلك، كنت مجبراً على الإلتزام بتوجيهات عائلتي "حزبي" والتى لم أُساهم في صِياغتُها.

 إن المُتأمل في واقع اليمنيين، وخصوصا بعد الجائحة الحوثية التى شهدتها اليمن، وأفضت إلى إنقلاب على الحياة الديمقراطية، يكتشف أن كثيراً من اليمنيين لم يطرأ عليهم أي تغيير بل ظلوا أوفياء للخلاف الحزبي كما لو جرى اخراجهم من ثلاجة.... وأسأل نفسي هل نحن حقاً أمام شرخ إجتماعي كبير بسبب الحزبية ؟

 وفي غضون ذلك، تتعالى الأصوات التى تؤمن بأن الأحزاب السياسية في اليمن تسببت في أنقسام مُجتمعي كبير في ظل غياب الوعي الحقيقي للدور الثقافي للأحزاب لتدعيم الوحدة المجتمعية ، بما يُضفي مصداقية على مثل هذه المخاوف. وفي واقع الحال، أن الحزبية قد طغت على النظام القبلي في اليمن، حيث ينسب الأفراد إلى الأحزاب عوضاً عن القبيلة، ويجري تميز وتصنيف الأشخاص مجتمعيا على أساس الانتماء الحزبي.

منذ وقت طويل، يتراشق الحزبيين في حزب المؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح بأفكارهم الراديكالية (المتشددة والمتحجرة) ظناً منهم أنهم يُمارسون التعددية والديمقراطية، وإن مُصادفةً تتبعت سُلوكهم الحزبي وأفكارهم ومقالاتهم ستجد أن جميعهم يُمارسون الغطرسة، والدكتاتورية، والراديكالية، على الرغم من إدعاءاتُهم أنهم أصحاب الفكر الديمقراطي ، وإن على غفلتةٍ إستمعت إلى مقابلاتهم التلفزيونية -وكل هذا متاح إلكترونياً -ستجد أنهم بعيدون كل البعد عن أشكال الديمقراطية في حديثهم ، وفي طرح أفكارهم ، وفي إختلافاتهم . وعلى النقيض من ذلك، تجد طغيان العصبية وتضخم عوامل الأنانية وتغليب المصالح الشخصية حاضرة في حديثهُم ومنشوراتهُم.

يتراشقون، فيتهشم النسيج الاجتماعي، ويتسببوا في نزيف القيم اليمنية، وتزداد بخلافاتهم الأزمة اليمنية تعقيداً، الغطرسة الحزبية توفر البيئة الملائمة التى تتكاثر فيها الحوثية ، وتصبح أكثر فتكاً بالمجتمع اليمني. جوهر المشكل، أن من يتصدر الخطاب الحزبي اليوم هم أشخاص يعانون من أزمة فكرية، وترخُل تنظيمي، وانحراف سياسي أدى إلى أزمة فهم الواقع الحالي، هؤلاء الذين ينعقون بمالا يعلمون أصبحوا يلعبون - دون أن يدركون - دوراً معرقلأُ أي جهود تبذل لتوحيد الصفوف لمواجهة الجائحة الحوثية التى تسببت في كل البؤس والعناء.

 وفي الأخير، لا يجوز أن تطغي الحزبية على الوحدة الوطنية التى هي مصدر الأمن والأمان لمجتمعنا اليمني ، فغياب الوحدة الوطنية سوف يؤدي إلى الاختلاف والنزاع, وانخفاض مستوى التسامح والتعايش. اليمن في مسيس الحاجة إلى تسخير الإعلام الحزبي الهادف ، الذي هو قوة لا تهزم من خلال تأثيره في سلوك المواطن اليمني، لتشكيل مشروع وطني يساهم في زيادة الوعي بأهمية الوحدة الوطنية وللبحث عن مظاهر الجور والظلم والطغيان واجتثاثها.
 


في الأحد 06 أكتوبر-تشرين الأول 2019 03:47:20 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=44603