لا تفرطوا بالاصلاح
توفيق السامعي
توفيق السامعي
 

بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو قريشاً للإسلام فكذبته كان يجد في نفسه شيئاً من الحسرة على قوم يريد عزتهم ويريدون هلاكه، وفي ذات حِجاج بينه وبينهم قال لهم خلوا بيني وبين الناس فإن ظهر هذا الأمر ملكتم العرب وسدتم العجم، وإن قتلت كان لكم ما أردتم، فلم يتركوه عناداً وتنافساً جاهلياً جسدت ذلك الأمر قصة أبي جهل حين قال: "تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعَموا فأطعمنا، وحمَلوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رِهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه"!

ولما هرب من بين أيديهم وكون له دولة وبدأ شأنه ودينه في الظهور والغلبة عاد يريد العمرة إلى البيت الحرام؛ فهو ودينه أحق بالمسجد الحرام منهم، ولما كان قريباً من الحديبية أعدت قريش عدتها من جديد وتعنتت وأقسمت أن لا يدخل مكة عنوة ومن معه، فلما سمع بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا ويح قريش، أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني اللّٰه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟...."‘إلخ.

أحببت أن أستهل هذا المقال بهذا الاستشهاد التاريخي والإسلامي نظراً لكثير من انطباق أحداثه ومراميه في الحالة اليمنية.

لا يدخر الحوثيون جهداً ولا وسعاً ولا وسيلة ولا مجالاً من المجالات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا وأخضعها لفكره السلالي العنصري وسلك كل المسالك في حوثنة كل شيء من حوله، حتى أنه يعمل عملية اجتثاث لكل شيء في البلاد، بينما تصرخ جميع الأطراف الأخرى دون مواجهة صنيعه بشيء في التصدي لفكره وأيديولوجيته وحروبه المختلفة.

إذ لا تقتصر الحوثية في أيديولوجيتها على الجانب العسكري والطائفي وحسب، بل في كافة الأفكار، ويخضع كل ركائز المجتمع لفكره؛ فالفكرة لا تجابه إلا بفكرة مثلها وإلا كانت الغلبة للقوة العسكرية الأقوى عتاداً وعدداً على الأرض.

لو نظرنا بتجرد إلى الحالة المجتمعية اليمنية سواء على مستوى الدولة وأدواتها أو الأحزاب وتنوعها وتشتتها وصراعاتها البينية المختلفة لا توجد فكرة ولا قوة مواجهة للمشروع الحوثي إلا حزب الإصلاح الذي يمتلك نفس الأدوات على الأرض، غير أنه لا يواجه من الحوثيين فحسب، بل يواجه من كافة القوى الداخلية والخارجية، وهو عامل قوة للدولة والمجتمع والتحالف على السواء في مواجهة المشروع الفارسي الإيراني بأدواته الحوثية، وتحت رعاية وظل وسمع وبصر الدولة والتحالف أيضاً، دون أية انحرافات على الطريق.

كذلك بعض قوى السلفية الرشيدة هي تمتلك ذات النهج وذات الفكرة، غير أن هاتين الأداتين مغيبتان على أرض الواقع، ولا يتم التمكين لهما بالعمل في مواجهة المشروع الحوثي بنفس الأدوات وبنفس الحروب.

بدل أن يتم التفاف جميع القوى التي تقف في مواجهة الحوثي والمشروع الإيراني حول نواة واحدة وهي الدولة والشرعية، نجد هذه القوى توجه سهامها إلى صدور بعضها البعض، وتسلك كافة السبل لإضعاف عامل القوة تلك لمزيد من التمكين الحوثي على الأرض، فهو الوحيد المستفيد من كل هذه الصراعات.

ست سنوات من عمر الانقلاب في نظر الطفل البسيط دون تغيير المعادلة على الأرض يعد كارثة بكل المقاييس على المشروع المواجه للحوثي، وحقيقة لا وجود لمشروع مقابل، إنما شركاء متشاكسون يكون حملاً ثقيلاً على المواطنين وعلى القضية برمتها الذين يدفعون الثمن كل يوم جراء هذا الصراع وهم يأملون الخلاص من الانقلاب وعودة الدولة وعودة الاستقرار على الأرض.

الإصلاح عامل قوة للجميع فهو الأكثر تضحية من بين كل القوى على الأرض، وهو أكثر من دفع الثمن من أعضائه ومقراته وقياداته ومؤسساته، والأكثر استهدافاً من المليشيات الحوثية؛ حيث إن 90% من الشهداء منه، وكذلك المخفيين قسراً أو المعتقلين، أو المعذبين حتى الموت في أقبية المليشيا الحوثية، وكذلك مصادرة أموال أعضائه وتشردهم في البقاع وتفجير بيوتهم، وفصلهم من وظائف الدولة ومصادرة رواتبهم، وغيرها من الانتهاكات بحقهم.

حينما ذاب الجيش القديم بين عشية وضحاها، أو تم تصفيته وتنحيته من المشهد بفعل السلطات المتعددة التي لا يجهلها عاقل اليوم، انبرى الإصلاحيون - مع غيرهم من المواطنين الشرفاء المستقلين ومن القوى السلفية تحديداً - في تكوين المقاومة الشعبية في كل المحافظات التي غزاها الحوثيون، وكانوا الأكثر فعالية ومقاومة وعدداً ومواجهة، وكونوا نواة الجيش الوطني، وكانوا الأكثر تضحية أيضاً - ولا يزالون يضحون، في حين انقسمت بعض القوى السياسية على نفسها وتوزعت أجنحة مختلفة بين الانقلابيين والحيادية والشرعية، ولم يكن لها ذلك الحضور الفاعل على الأرض كالإصلاحيين والسلفيين ثم من التحق بهم من كل شرفاء اليمن مغلبين الدولة على المليشيات، وعرف العسكريون المخذولون المسرحون بفعل الانقلاب أين يتجهون، فكونوا الجيش الوطني اليوم في كل الجبهات.

هناك الكثير من المستقلين المشبعين بروح الثورة والجمهورية الذين كان لهم قصب السبق أيضاً في الالتحاق بالجيش والمقاومة، ومنهم الشهيد الكبير أحمد الأبارة -رحمة الله تغشاه- الذي كون من أبناء محافظته النواة الأولى لهذا الجيش المقاوم اليوم في كل الجبهات، وكذلك بعض الشخصيات المعروفة التي تضررت من الانقلاب الحوثي، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً.

لم يكد الناس يتلمسون الدولة ويستقرون في بعض المحافظات كعدن ومارب وتعز وشبوة وإذ بالسهام تصوب من جديد نحو تلك القوى؛ تشكك في كل خطواتها وتلمز تضحياتها، وتحرض عليها الداخل والخارج، وتطعنها من ظهرها قبل أن يستكمل مشروع التحرير، وتم تخذيل الجيش مرة أخرى بالتضييق عليه في مرتباته وعدده وعتاده، الأمر الذي ولد صراعات جانبية استفاد منها الانقلابيون الحوثيون وتمددوا أكثر فأكثر واستردوا ما خسروه من الأراضي في نهم والجوف وصعدة، وكل ذلك بفعل الصراعات الجانبية التي أضعفت موقف الشرعية وقوة الجيش الوطني. 

الإصلاح والسلفيون يملكون الفكرة المضادة للفكر الحوثي؛ فهم يمتلكون الوسائل الثقافية التربوية التي تربي الأفراد على السنة والعمق الثقافي اليمني السني الذي يعمل الحوثيون اليوم على طمسه، ويمتلكون القوة الذاتية المقاومة، ويرفدون الشرعية بالمقاتلين، ويمتلكون المشروع الفكري الذي تربوا عليه عقوداً من الزمن.

ينقص هؤلاء فقط المزيد من التربية الوطنية والجمهورية والإيمان المطلق بسبتمبر والتراث الفكري والنضالي اليمني لمواجهة المشروع الحوثي، ويمننة الفكر والمقاومة، والاستشهاد بنضالات وإصلاحات نشوان الحميري والمقبلي والشوكاني والحيمي والنعمان والزبيري والسلال وعبدالمغني وجازم والقباطي وغيرهم الكثير.

كان الحوثيون يدركون هذا الجانب تماماً، وما يزالون يدركون، فعملوا على البطش والتنكيل والاستهداف الخاص للإصلاحيين والسلفيين؛ فدمروا معاهدهم ومساجدهم، واختطفوا التربويين والمثقفين والإعلاميين والأكاديميين منهم، وقتلوا المقاومين منهم الذين صمدوا في كل الجبهات، وركزوا عليهم أكثر من غيرهم من القوى الأخرى، وشردوهم في كل مكان.

ظلت سهام الردح من كافة القوى بحق الإصلاح وصولاً للتحريض عليه وإقصائه من الحكومة، كما فعل الحوثيون بهم منذ الانقلاب في 21 سبتمبر 2014، ولم يقبلوا بالشراكة معه، مع أن ما يبقي الشرعية شرعية لها تواجد على الأرض إلا تلك المساحات التي يقاتل فيها الإصلاحيون والسلفيون والجيش الوطني وإلا لكانت انتهت الشرعية منذ زمن، بغض النظر إن كان له وزير أو وزيران في الحكومة لا يتناسب مع حجمه وتضحياته.

العمل على ضرب الإصلاح أو المشروع المقاوم بشكل عام أو إنهائه أو إزاحته من الساحة السياسية هو أحد أهم أهداف هذه الحرب لضرب كل مقومات القوة في اليمن ومشروع الرفض للهيمنة والمصادرة وضرب قوة الدولة والحكومة في آن حتى لا يبقى من الدولة والحكومة والشرعية إلا كيانات هزيلة عبارة عن كنتونات لا ترقى إلى مستوى الدولة، كما فُعِل من قبل بكل مشاريع المقاومة الرافضة للتسلط والهيمنة الخارجية في الوطن العربي، وسيأتي الدور على البقية الباقية التي ترى نفسها اليوم مصطفة مع مشاريع الهيمنة لضرب هذه القوة بعد إزاحتها سيتم الالتفات إليها.

في سبعينيات القرن الماضي تم التضحية بعبدالناصر وقوميته، فغرست إسرائيل وعززت قوتها في المنطقة، وذهب جزء كبير من الكرامة والكبرياء العربي ومصالح العرب، ثم تم التضحية بصدام وشقه الآخر من القومية العربية فسلمت العراق وسوريا ولبنان واليمن لإيران على طبق من ذهب، والتضحية بالإصلاح اليوم ومن بعض التوجهات السلفية لن تسلم فقط ما تبقى من اليمن بل ستسلم دولاً عربية أخرى في المنطقة؛ كون هذا الفريق هو ما يشغل الحوثيين وإيران عن التفرغ لبقية الدول أو زعزعة الأمن والاستقرار في الجزيرة والخليج، وقد كانت توجهت نحو البحرين، وستظل مصرة على البحرين والكويت وقطر وما بعد هذه الدول ولن تتوقف عند حد طالما وهي تحقق مكاسب على الأرض، وتزرع المليشيات الإرهابية وأذرعها المسلحة في كل مكان لتطويق المنطقة شمالاً وشرقاً وجنوباً. 

غرس المليشيا الحوثية في قلب الجزيرة العربية هو كغرس إسرائيل وحزب الله في شمالها، وكغرس الأكراد في المنطقة العليا من البلاد العربية مشاريع لزعزعة الاستقرار العربي وتمزيق الأمة العربية، سيتم تقوية هذا الكيان على حساب اليمن والمملكة العربية السعودية وعمان والبحرين العربي والأحمر والممرات الدولية وابتزاز الخليج بشكل عام.

ففي الوقت الذي يتم هدم كل عوامل القوة في المقاومة للمشروع الحوثي من قبل الشركاء المحليين والإقليميين نجد إيران تعزز من عناصر القوة لديها وتعيد ترتيب أوراقها بشكل مستمر، كان آخر هذه الأوراق هو تعيينها لأحد عسكرييها من الحرس الثوري الإيراني سفيراً لها في صنعاء لدى المليشيا الحوثية يتجاوز الأعراف الديبلوماسية والسياسية.

لم تكن مهمة الإيراني حسن ايرلو في اليمن كسفير فقط، بل يتجاوز حدود السياسة والديبلوماسية والعلاقات العامة إلى الإدارة العسكرية؛ فهو أحد عناصر الحرس الثوري الإيراني الناشر للإرهاب في المنطقة؛ يحضر حفلات الحوثي من الدورات العسكرية إلى الثقافية الأيديولوجية إلى تكوين المرجعيات المرتبطة مباشرة بإيران وقطع الطريق لأي تقارب أو مداهنة مع غيرها.

وكلما مر وقت أطول دون حسم المعركة على الأرض كلما تجذر التواجد الفارسي ثقافة وعسكرة في الأرض اليمنية..

 

الإصلاح ينافس سياسياً لا عسكرياً 

التذرع بالإصلاح اليوم ومحاولة إنهاء الجيش الوطني، وتضييق الخناق عليه في مرتباته لتمسكه الشديد بالشرعية، لم ولن ينتج مشروعاً بديلاً طموحاً عند مستوى وتطلع الشعب اليمني، وإنما أنتج وسينتج مليشيا متعددة لم ولن يتم التمكين لها لتكون بديلاً للشرعية والدولة، وإنما تجزئة وتقسيم وإضعاف وفكفكة لن يدفع الإصلاحيون وبعض السلفيين ومن معهم من القوى الشريفة والمستقلين الشرفاء الداعمين للشرعية وهادي وحدهم الثمن، وإنما سيدفعه الجميع كما تم دفعه إبان غزو صنعاء 21 سبتمبر 2014، وإذا كان البعض يظن أنه لن يدفع الثمن فهو واهم وكفى بالانقلاب دليلاً وواعظاً، وإذا كان البعض تلافى خطأه سابقاً وانخرط اليوم في صفوف الشرعية ومازالت هناك قوة لها على الأرض فإن البقية سيعضون أصابع الندم من القادم في حال تم إنهاء الشرعية والمشروعية والقضية ورضخ الجميع لتسوية سياسية مذلة مع الحوثية يكون للحوثية اليد الطولى في الحكم والتلاعب بالبلاد.

لن يتوقف دفع الثمن على المستوى المحلي بل سيدفعه الإقليم جميعاً؛ لأن ما وراء هذا المشروع الفارسي ما وراءه من الكثير من المخططات والمشاريع المختلفة التي لا تتوقف عند حد وإنما ابتزاز للعرب جميعاً، ولا يظن البعض بتسابقهم للتطبيع مع إسرائيل أنهم ناجون من هذه المخططات وآووا إلى ركن شديد؛ فإسرائيل ستتحول إلى قطة تأكل صغارها المطبعين لتقديم المزيد من التنازلات والركوع على الأرض والتهام الثرى والثروة العربية وتحقيق هدفها العام من الفرات إلى النيل.

إن أية حكومة جديدة ستنشأ في أمريكا بعد الانتخابات الحالية ستعمل على تكريس الوجود الإيراني الحوثي في اليمن ولن يسمح المجتمع الدولي بكسر أو استئصال المليشيا الحوثية بل وستعزز من قوتها، وسيتم إحياء مبادرة كيري التي تسلم اليمن للحوثي وتفكيكه، وحينها تكون غرست هذه المليشيا إلى ما لا نهاية وربما لآلاف السنين كما غرست الإمامة في اليمن من قبل إبان غزو الرسي الهادي لليمن، وعندها لات ساعة ندم.

إننا نرى المنطقة برمتها تمر بنفس الظروف والأوضاع التي مرت بها اليمن قبيل الانقلاب من التراخي وعدم الاكتراث للنداءات والتحذيرات التي تأتي من خلال كتاباتنا ومراقبتنا للوضع، لكن العين لا تخطئ النظرة، والبصيرة لا تعدم التأمل المفضي إلى النتيجة الكارثية.

لو أن الإصلاح ومن معه من بقية القوى كان هو المشكل لرأينا من قبل متبني إنهاء وجوده توحيد بقية الجبهات على هدف واحد في مواجهة المليشيا الحوثية، وتسليمها راية اليمن والتحرير والسلطة مجدداً وحافظوا على اليمن، لكن ما يحصل هو تفتيت للمفتت لم ولن يسلم منه أتباع صالح ولن يتم لهم استردادهم للسلطة، ولم ولن تسلم منه أية قوة أخرى سواء الانتقالي أو الكيانات الصاعدة التي يضرب بها الإصلاح اليوم، وسيتم الالتفات لها بعد إنهاء الكيانات القائمة الحالية لتصدق فينا مقولة: أكلت يوم أكل الثور الأبيض؛ فالكل مبعثر في الجغرافيا اليمنية.


في السبت 07 نوفمبر-تشرين الثاني 2020 06:33:18 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=45192