من سبأ إلى غزة
د. ضيف الله بن عمر الحداد
د. ضيف الله بن عمر الحداد
 

من بين ثكنات العدو وجدار الحصار وركام الجدران المهدومة وحجم الدمار الهائل وطيات المحن يبزغ فجر العزة ويظهر شفق النور وتعلو صيحات تكبير النصر العظيم وبشائره لتملأ الآفاق ويبلغ صداها أنحاء العالم وأرجاء المعمورة.

ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله....

نصر تسعد به القلوب وتنشرح به الصدور ويبعث الأمل شابا في نفوس عشاق الحرية ورواد الكرامة ويطرد اليأس والقنوط:

يا يأس يا بطل الدنيا وباطلها

لا أنت نحن ولا دنياك دنيانا

ذلك النصر لم يكن وليد لحظة ولا ضربة حظ بل كان نتيجة حتمية لتضحيات عظيمة ومسيرة نضال طويلة وبذل وعطاء وجهاد في سبيل الله لعقود من الزمن مع تنمية مباركة لخبرات تراكمت تم البناء على السابق منها وتطوير اللاحق واعتراف بالأخطاء البشرية والعمل الجاد على تصحيحها.

تلك هي غزة التحدي وفلسطين الصمود بذرة القسام وغرسة الياسين ودماء الرنتيسي وخبرة عياش وعلم ريان وتضحية أبوهنود وفكر عزام وقيادة مشعل وصمود هنية وإقدام الضيف ورفاق دربه الميامين.

 جهود مباركة بعضها من بعض وفوق بعض بارك الله فيها وفي عملها تركت كل مناصب الدنيا ومكاسبها جانبا لتشتري رضا ربها وتسعى لنصرة دينها وتعمل لصالح قضيتها فحقق الله لها النصر الكبير والفتح المبين وسيتحقق قطعا بإذن الله قريبا تحرير المسجد الأقصى وبقية الأرض المباركة..

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)

لقد تجرد قادة المقاومة من حظوظ أنفسهم تماما وعملوا لصالح قضيتهم ولأجلها فقط فلم تشغلهم عنها وظيفة ولا ولد ولا مكاسب دنيا بل سخروا كل إمكانياتهم للانتصار لقضيتهم وصبروا وصابروا فنصرهم الله وأيدهم وبارك سعيهم.

اذكر ذات مرة أنني قمت مع مجموعة من الأصدقاء لزيارة أحد قادة المقاومة الكبار وكان الحديث معه ذا شجون يسأل عن اليمن وعن أخبارها بلهفة وشوق والعجيب أنه يعرف مدنها وقراها وكأنه أحد أبنائها ومن ضمن حديثنا معه أخبرنا بأنهم ذات مرة زاروا دولة عربية لإيصال رسالة المقاومة والشعب المجاهد وعند مغادرتهم لها أعطاهم زعيم هذه الدولة مبلغا ماليا كبيرا فقال له هذا القائد صاحب الهدف والقضية: لمن هذا المال قال الزعيم العربي: هذه ضيافتكم قال: لا حاجة لنا به نحن أصحاب قضية ولسنا طلاب دنيا ومال وإن كنت تريد به دعم المقاومة فخذ رقم حساب المقاومة وسلم ما تريد إكرامنا به لصندوق المقاومة.

فكبروا بقضيتهم في عيون الجميع الحاكم والمحكوم وكبرت قضيتهم معهم وهذا سبب واحد من أسباب النصر والتمكين التي عملوا على السعي على تحقيقها

كم نحن بحاجة لمثل هذه المواقف النبيلة

 كم نحن بحاجة لقادة عظماء أصحاب قضية يعصبون على بطونهم ويتجردون لقضيتهم ويتركون اللهث خلف لعاع الدنيا ومتاعها الزائل

إن انتصار المقاومة أمام آلة القتل والبطش الصهيونية المدعومة من كل اعداء الامة حدث ليس بالسهل أبدا

وإننا بحاجة للوقوف مع هذا الحدث العظيم والانتصار المجيد والاستفادة منه بما ينعكس إيجابا على واقعنا لنستلهم منه العزيمة والسعي الحثيث للانتصار لقضية من أعدل القضايا في هذا العصر خاصة ونحن نواجه عدوا يتقاطع مع الكيان الصهيوني في كثير من الأمور ولو لم يكن من ذلك إلا نظرية الاصطفاء الإلهي لكليهما وهدم المساجد ودور العبادة لكفى

ألا نفوس أبيات لها همم

أما على الخير أنصار وأعوان

هل يجهل قادة اليمن ونخبه الوضع المأساوي الذي وصل إليه حال اليمنيين مع الانقلاب وتصرفات مليشيا القتل والإجرام

 عشرات الآلاف تموت من الجوع والقتل والمرض ومئات آلاف أخرى تهجر

ومساجد للعبادة تدمر

وأملاك تصادر وكرامة تهدر

وسعي حثيث لنشر الجهل والخرافة وتغيير سريع لمناهج الدراسة لتربية جيل منسلخ عن الفكر والهوية

وعدو يتبجح بكل أفعاله العدوانية على الدين والمقدسات والوطن ولم يترك سبيلا لإذلال الشعب إلا سلكه

وعالم منافق يحاول تمكينه على رقابنا ويدعمه ببجاحة بكل مقومات القتل والبطش.

وللأسف نرى أمام العيان قيادات تتصدر المشهد أكبر هدف لها هو تأمين مستقبل أبنائها على حساب القضية الوطنية الكبرى

ومع هذا وذاك يظهر لنا في سمائنا الملبدة بالمكر والخذلان نقطة مضيئة ولوحة شرف تتمثل في مقاومة بطلة وشجاعة بذلت المستحيل وقدمت كل ما تستطيع للدفاع عن الدين واالوطن والشرف والمقدسات لكن ينقصها الكثير من الإمكانيات

هي بالحقيقة بارق الأمل الوحيد الذي ما زال يبعث الأنس والرجاء في نفوس أبناء الوطن ويؤسفني أن هذه المقاومة تقاوم بإمكانيات محدودة وتحافظ على شوكة الميزان بقدر استطاعتها وهي بحاجة إلى دعم والتفاف من كل الأحرار وابتداء ممن يمثل شرعية الدولة ويملك قرارها والذي كان يلزمه شرعا وقانونا وواقعا أن يسعى لتسليح هذه المقاومة بكل الأسلحة النوعية التي تحتاجها ويذلل كل السبل التي تعرقل تحقيق هذا الأمر فمن المؤسف أن مليشيا الكهنوت تقاتلنا بكل أنواع

الأسلحة التي جلبها لها حلفاؤها بينما جيش الوطن الشرعي ومقاومته الباسلة لا تملك من سلاح الردع والحسم شيئا ولا يمكن أن يتحقق توازن على الأرض إلا بتمكين الجيش والمقاومة من حقوقهم وسلاحهم وأن تطلق يد الجيش والمقاومة في ارض الوطن ليصنعوا ببطولاتهم وتضحياتهم فجر النصر المجيد

وإن كان هناك من عوائق تقف أمام تسليح جيشنا ومقاومته الباسلة فإن علينا أن نستوعب أن المقاومة في فلسطين لم تستسلم للواقع المؤلم الذي يحيط بها من كل مكان وإنما بذلوا كل وسعهم لتحقيق القدر المستطاع من العدة والعتاد ونصروا الله فنصرهم وحفظهم ومكن لهم.

وفي الختام لا ننسى أن علينا كذلك واجبا آخر يتمثل في توعية قطاع كبير من أبناء الشعب لم يستوعب الحدث الذي يمر بنا وما يراد لشعبنا من قهر وتدجين وإذلال والبعض منهم ضحية للأفكار المنحرفة التي لا تسنقيم مع تكوينه الآدمي

 وتوعية هذا القطاع الكبير مسؤولية جماعية لأن الدفاع عن الكرامة والدين والمقدسات مسؤولية الجميع

ومتى ما استشعرنا جميعا حجم المسؤولية الملقاة على كواهلنا وعظم الحدث وانتفض الجميع للحفاظ على دينهم وقيمهم عندها سيتحقق لهم بإذن الله النصر والفتح المبين وآلله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.


في الجمعة 21 مايو 2021 06:59:24 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=45472