تحديد سن الزواج بين سياسة الفقهاء وفقهاء السياسة
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

تابعنا جميعاً مسلسل العراك الفكري والسياسي حول إقرار مجلس النواب اليمني تحديد سن الزواج، ب 17 عاماً، بدأ مسلسل هذه المعركة في مجلس النواب وامتدّ إلى صفحات الصحف ومواقع النت، ولعلّ هذا هو سبب الضجة الكبرى حول المسألة، حيث يُفترض العكس، بمعنى أن يتم النقاش المستفيض للمسألة من جميع الأوساط العلمية والفقهية ومن الأخصائيين والأكاديميين، وأن تأخذ المسألة حظها من الدراسة والتمحيص العلمي الرشيد، ثم تعرض على مجلس النواب، لكن يبدوا والله أعلم أن الحكمة اليمانية هذه الأيام في إجازة، مفتوحة، لا يعلم نهايتها إلا الله!!.

إن القضايا الهامة التي تمس ملايين البشر لا يجوز بحال الاستعجال في إقرارها، لأجل ضغوط من هنا أو هناك، بل يجب أن تدرس من جميع جوانبها وزواياها، من علماء الشريعة والقانون، والجهات ذات العلاقة، بشكل يوضح أبعادها، ويجلي خفاياها، ويبين آثارها.

إن قضية تحديد سن زواج الفتاة، في اليمن، يعني تحديداً لسن زواج عشرة ملايين أنثى أو أكثر، وكان يجب في المسألة التروي والدراسة العلمية المستفيضة والهادئة، وهذا أمر لا عيب فيه، سيما في المشكلات الشائكة، والبلوى العامة، التي ستدخل كل بيت وأسرة، شاء من شاء وأبي من أبى.

أعرف ويعرف كثير من إخواني القراء، أن بعض دول العالم الثالث، بل بعض دول الجوار، لا تزال بعض القضايا فيها تراوح مكانها، منذ سنين طويلة، لم يستطع قلم الحاكم ولا سيفه، البت فيها، مع إمكانه ذلك، لكن ربما هي ظروف اقتضتها الحكمة والتروي والوقت، تفرض على المقنن – العاقل- أن يأخذ فرصته في الدراسة والتمحيص، دون المجازفة بالملايين.

ولا بأس في بعض المسائل أن تترك حيناً، ليقرر بشأنها الزمن، أو ليحسمها الوقت، بلا حاجة إلى كثير عراك، أو للتتضح معالمها، أو تبرز خفاياها.

بيد أن هذه المسلّمات للأسف غابت عن المقنن اليمني الذي تعجل كثيرا جداً في إقرار هذه المسألة أو قل البلوى العامة، مما يجعل المسألة محل النقاش لِمَ العجلة والسرعة والتسرع، في مثل هذه المسألة الشائكة والمعقدة، نوعاً ما؟!!.

هذا سؤال نطرحه على فقهاء السياسة، للإجابة عليه.

كنت أتمنى أن يفسح المجال في مسألة تزويج الصغيرة، لعلماء الشريعة وفقهاء الإسلام، كالعلامة العمراني والعلامة العالمي عبد الكريم زيدان الفقيه الحنفي المعروف، صاحب كتاب المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم، في 11 مجلدا، وكذا الأخصائيون في القضاء والفتيا، وعشرات ومئات غيرهم من علماء الشريعة والقانون.

كان يجب أن يفسح لهؤلاء المجال رحباً واسعاً، لأن يدلوا بدلوهم عبر وسائل الإعلام، وعبر الندوات والمؤتمرات، وأن يقدموا رؤيتهم الشرعية في المسألة، فلربما كان الحق والصواب غير ما يتوقعه هذا الطرف أو ذاك، ولا ضير في مثل هذه القضية الحساسة، أن نوسع من دائرة الرأي، ولا نحصره ولا نقصره في هذه اللجنة أو تلك.

وفي تقديري أيضاً لا مانع من أخذ رأي علماء وخبراء الاجتماع وعلماء النفس والتربية، فربما يكون رأي الجميع واحداً، أو يصل الجميع إلى حل وسط، لكن بعيداً عن تسييس قضايانا الاجتماعية والأسرية، أو ممارسة الضغوط الفكرية أو فرض الحصار أو التضييق، على أي طرف من الأطراف.

لكن يبدوا أن فقهاء السياسة حسموا المسألة، ويبدوا أنه أمر دبّر بليل كما قيل، سيما وأن الأغلبية المطلوبة موجودة، وتحت الطلب في أي وقت، وهي دوماً جاهزة للتصويت، وهذه هي البلوى والطامة، حين يوسد الأمر والعلم إلى غير أهله، حيث الأغلبية المريحة التي لا تحمل أي مؤهل علمي أو شرعي، سوى الثانوية العامة، في أحسن تقدير.

أما في المسألة محل النزاع فدعونا ندلف إلى بعض جوانبها.

1) لا إشكال من جهة الشرع في عدم تحديد سن الزواج، فقد مضى أكثر من 15 قرناً من الزمان والمسلمون يتزوجون بلا حاجة إلى قانون لتحديد سن الزواج، لأن الأمر خاضع لحال الزوجين وظروفهما، ومدى تحقق المصلحة التي يقدرها الولي، ولم نسمع عن زوبعة تحديد سن الزواج إلا مؤخراً في بعض البلدان كالبحرين واليمن، بل إن سيد البشر صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة، رضي الله عنها وهي ابنة تسع سنين، وزُفت إليه عليه الصلاة والسلام وبيدها لعبتها.

وأسوق إليك أيها الحليم الحديث كما في البخاري: عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي فَوَفَى جُمَيْمَةً فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ وَإِنِّي لَأُنْهِجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ فَقُلْنَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُحًى فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.

وبوب الإمام البخاري فقال: بَاب مَنْ بَنَى بِامْرَأَةٍ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وذكر حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا.

قال العلامة النووي: \\\"في أَكْثَر الرِّوَايَات (بِنْت سِتّ) فَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا سِتّ وَكَسْر فَفِي رِوَايَة اِقْتَصَرَتْ عَلَى السِّنِينَ، وَفِي رِوَايَة عَدَّتْ السَّنَة الَّتِي دَخَّلَتْ فِيهَا.

فكيف لا نرضى بما رضيه الله ورسوله، بل ليس في الشريعة السمحة أي نص مفهم لتحديد سن الزواج، بل ورد شرعاً بسرعة تزويج البنت، مبكراً، كما سيأتي بيانه.

على أن المسألة في تقديري خاضعة لمراعاة المصلحة، كما نص الإمام النووي على ذلك، فقد يكون في التبكير بتزويج الفتاة قبل بلوغها مصلحة لها، وقد لا يكون لها في ذلك مصلحة.

قال العلامة النووي: \\\"اعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه قَالُوا: وَيُسْتَحَبّ أَلَّا يُزَوِّج الْأَب وَالْجَدّ الْبِكْر حَتَّى تَبْلُغ، وَيَسْتَأْذِنهَا لِئَلَّا يُوقِعهَا فِي أَسْر الزَّوْج وَهِيَ كَارِهَة، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا يُخَالِف حَدِيث عَائِشَة لِأَنَّ مُرَادهمْ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجهَا قَبْل الْبُلُوغ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَصْلَحَة ظَاهِرَة يَخَاف فَوْتهَا بِالتَّأْخِيرِ كَحَدِيثِ عَائِشَة، فَيُسْتَحَبّ تَحْصِيل ذَلِكَ الزَّوْج لِأَنَّ الْأَب مَأْمُور بِمَصْلَحَةِ وَلَده فَلَا يُفَوِّتهَا. (شرح النووي على مسلم5/128).

ثم قال رحمه الله:

\\\"أَمَّا وَقْت زِفَاف الصَّغِيرَة الْمُزَوَّجَة وَالدُّخُول بِهَا فَإِنْ اِتَّفَقَ الزَّوْج وَالْوَلِيّ عَلَى شَيْء لَا ضَرَر فِيهِ عَلَى الصَّغِيرَة عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ اِخْتَلَفَا.. فقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة: حَدّ ذَلِكَ أَنْ تُطِيق الْجِمَاع، وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِهِنَّ، وَلَا يُضْبَط بِسِنٍّ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. أهـ (شرح النووي على مسلم5/128).

على أن الشارع الحكيم يميل إلى التبكير بتزويج البنت، إذا جاءها الكفؤ، لما ورد في سنن الترمذي، عنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ (يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا الصَّلَاةُ إِذَا آنَتْ وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ وَالْأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا). والحديث وإن ضعفه الألباني في جميع كتبه، إلا أن كثيراً من العلماء قد صححه واحتج به، كالعلامة العيني والمناوي والطيبي، وغيرهم، والعقل وعموم الشرع، يدلان على تحصيل المصلحة وعدم جواز تفويتها.

ولا شك أن في تزويج الصغيرة في بعض الأحيان مصالح كثيرة لها، فقد تكون يتيمة لا عائل لها، أو فقيرة، أو لظروف تحتاج فيها إلى محرم لها، أو نحو ذلك، فلا حرج أن يزوجها الأب شريطة تزويجها للكفؤ، فإن لم يفعل وزوجها بغير الكفؤ، باختياره، فقد خان الأمانة وغش لرعيته.

2) لا يتصور المعترضون على عدم تحديد سن الزواج، بأن الأب إن زوج ابنته الصغيرة، فإنما يسلمها لثور هائج، لا يرقب فيها إلاًّ ولا ذمة، وأنها ما أن تقع بين يديه حتى يثب عليها فيمزقها إرباً إرباً، على نحو ما يشاهده فقهاء الأفلام الغربية، لأن هذا غير متصور أبداً من المسلم، فقد ورد الشرع الحنيف بالرحمة والرأفة وحرمة الضرر والأذى.

3) أعتقد لما سبق أنّ في إقرار مجلس النواب لسن الزواج ب 17 عاماً وتجريم من فعل هذا، يعد جرماً عظيماً، لما فيه من تجاوز الشرع الحنيف، ولما فيه من إلحاق الضرر، بالفتيات اللواتي لا عائل لهن، أو اللاتي اقتضت المصلحة الشرعية ضرورة تزويجهن، لسبب أو لآخر، ولما فيه من مصادرة حق الملايين في الزواج المبكر، صوناً للنفس عن الحرام، وإعفافاً للمؤمنين عن الفتنة، كما فيه دعوة خفية إلى المنكر، وإن كانت هذه الدعوة، تتدثر بلحاف صون الفتاة عن الأذى والضرر، فيما في واقع الحال إنما يلحقها الضرر والأذى بتأخير تزويجها.

4) أقترح تتمة للموضوع أن يقر مجلس النواب أيضاً ألا يتقدم للترشح لعضويته، إلا من كان حائزاً على شهادة علمية جامعية، لأننا رأينا أن مثل هذه المسائل لا يدركها ولا يفهمها ولا يقدر لها قدرها، من كان خريج الثانوية العامة، أومن لا يحسن القراءة والكتابة، وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ختاماً: شكر الله للشيخ محمد ناصر الدين الحزمي بادرته المباركة، ومن أعانه بقول أو فعل، وقد أدى ما عليه والواجب على العلماء بيان المسألة وإيضاحها، لأنه لا ينسب لساكت قول.

والحمد لله رب العالمين،،،

Moafa12@hotmail.com


في الأحد 15 فبراير-شباط 2009 09:35:59 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.com/articles.php?id=4890